قصة الخلق

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

تبدأ قصة الخلق قبل خلق السماوات والأرض: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر:62) و(هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الحديد:4) وقال: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (هود:7)

عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه:ِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ كَانَ فِي عَمَاءٍ، مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ"[1] والعماء هو السحاب الرقيق، أي فوق السحاب ليس معه شئ، مدبِراً له وعالياً عليه، كما قال سبحانه وتعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) يعني من فوق السماء[2].

أما عن أول ما خلق الله من الخلائق فهو القلم حيث جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْقَلَمُ ثُمَّ قَالَ اكْتُبْ فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"[3].

وقبل هذا الخلق كان الله قد قدَّر المقادير وكان قد خلق العرش وهو رأي جمهور الفقهاء، ففي الحديث الذي يرويه الإمام مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ" إذاً العرش أولا على الماء ثم القلم فخط به الخط ثم جاءت السماوات والأرض، فعندما يقال أول ما خلق الله القلم يعني أول ما خلق من مخلوقات هذا العالم وجاء هذا فيما يرويه البخاري عن عمران بن حصين حيث جاءه وفد من اليمن: "قَالُوا: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ" إذاً البداية هي خلق العرش على الماء ثم القلم كتب كل شئ وقيل أنه بعد القلم اللوح المحفوظ مباشرة فكتب القلم على اللوح المحفوظ ثم بعد ذلك جاء خلق الخلائق وخلق السماوات والأرض.

خلق ما في السموات والأرض:

أما ترتيب خلق المخلوقات في عالم السماوات والأرض فجاء فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَخَلَقَ الْجِبَالَ فِيهَا يَوْمَ الْأَحَدِ وَخَلَقَ الشَّجَرَ فِيهَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرَ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ"[4].

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ"[5] وجاء في ذلك الآيات والأحاديث الكثيرة، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) (الرحمن:15) والمارج هو طرف لهب النار، وقال تعالى على لسان إبليس: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (صّ:76) وقال: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) (الحجر:27) فدل على أن خلق الجن كان قبل خلق الإنسان.

فهذا أصل خلق الجن وإبليس لعنه الله من الجن، وجاء هذا بشكل صريح في الآية: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) (الكهف:50) فهو -لعنه الله- لم يكن من الملائكة كما زعم البعض، وهذا ما يجزم به الحسن البصري رحمه الله حين قال: "لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط" وقيل أنه "كان من الجن، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله إليهم جنداً من الملائكة فقاتلوهم وأجلوهم إلى جزائر البحار، وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم إلى السماء فكان هناك، وأصبح رئيساً للملائكة بالسماء الدنيا، وقيل كان اسمه عزازيل أو الحارث ويلقب بأبي "كردوس"، وكان من حي الملائكة يقال لهم الجن وكانوا خُزَّان الجنان وكان من أشرفهم ومن أكثرهم علماً وعبادة وكان من أولي الأجنحة الأربعة فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع إبليس فمسخه الله شيطاناً رجيماً"[6].

وكلمة إبليس أصلها من "بلس" ويقال: "أبلس" إذا يئس كما في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) (المؤمنون:77).

هذه الأرض التي نعرفها كان يسكنها الجن ففسقوا فيها وأفسدوا إفساداً عظيماً وقتّلوا بعضهم تقتيلاً وسفكوا الدماء، فأرسل الله الملائكة فأخرجوهم من القارات وطردوهم إلى الجزر التي في المحيطات وهي موطنهم إلى اليوم، وجاءت الأحاديث الكثيرة تشير إلى أن إبليس لعنه الله له عرش ومُلك في مكان ما على الماء فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: "كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم جنداً من الملائكة فطردوهم إلى جزائر البحور"[7].

[1] رواه الترمذي وقال حديث حسن.

[2] كقوله تعالى: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) يعني على جذوعها.

[3] رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم.

[4] رواه الإمام أحمد ومسلم في صحيحه.

[5] رواه مسلم في صحيحه.

[6] قصص الأنبياء بتصرف.

[7] قصص الأنبياء لابن كثير.

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

2 thoughts on “قصة الخلق

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s