قصة آدم عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

لماذا خلقنا الله سبحانه وتعالى؟ تأتي الإجابة صريحة ومباشرة من صاحب الخلق سبحانه وتعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56) خلقنا لنعبده وهو عز وجل غني عن عبادتنا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر:15) فهو سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى أراد عز وجل أن تظهر آثار قدرته ورحمته وحكمته، فخلق الخلق ليرحمهم، وليظهر علمه وحكمته وجبروته وهو غني عنهم عز وجل.

وتبدأ قصة آدم قبل خلقه في ذلك الحوار السماوي العظيم بين الرب سبحانه وتعالى والملائكة عليهم السلام: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)([1]) (البقرة:30) أراد أن يجعل خليفة يحكم الأرض ويعمرها، خليفة يترك وراءه خلائف، خَلَفَاً تلو خَلَفٍ (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود:من الآية61) يريد هذه الأرض أن تعمر، لكن الجن أقل شأناً من أن يعمروا الأرض وأقل عقلاً من أن يعمروا الأرض حيث يقول ابن القيم عن الجن: "أعقلهم بعقل صبي عشر سنين" رغم ما لديهم من قدرات خارقة تتجاوز إمكانات الإنسان المادية.

لكن كيف عرفت الملائكة أن آدم وذريته سيسكنون في الأرض ويسفكون الدماء؟ ما قالوا هذا على وجه الاعتراض، كلا حاشاهم، الملائكة لا تعصي الله عز وجل عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، وإنما قالوها على وجه الاستفسار بعد ما رأوا من صنع الجن في الأرض، فقالوا: الله سبحانه وتعالى خلق الجن وأعطاهم التخيير ففسدوا وفسقوا في الأرض والآن سيخلق خلق آخر في الأرض لعله سيفسد كما أفسد الجن "أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ" وخشوا أن يكونوا قد قصّروا في عبادة الله عز وجل فأرادوا أن يسألوا: هل نحن قصّرنا حتى تخلق غيرنا؟ ولذلك جاء في كلامهم: "وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ" إذاً السؤال من جانبين: هل ستخلق خلقاً يفسدون في الأرض كما فعل الجن، وهل نحن قصرنا حتى تخلق خلقاً غيرنا، فالله سبحانه وتعالى رد عليهم "قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ".

قال الحسن البصري: "لمّا أراد الله خلق آدم، قالت الملائكة: لا يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أعلم منه، فابتلوا بهذا وذلك قوله (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)"([2]) فهم قد رأوا مخلوقات كثيرة، وعلموا حالها وحالهم من التكريم عند الله.

خلق آدم .. أين ومتى

ولما أراد الله سبحانه وتعالى أن يخلق آدم أمر بغَرفة من الأرض فرفعت إليه وشُكّل منها آدم جسد من غير روح، في الحديث عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ([3]) وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ"([4]) فاختلاف البشر في أشكالهم وألوانهم وطباعهم هو من أصل اختلاف الأرض بألوانها وطبائعها وخلقتها.

في البداية جيئ بقبضة تراب ثم بُلَّ هذا التراب فجعل طيناً: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ([5])) (الصافات:من الآية11) ثم شكّله الله سبحانه وتعالى بيديه الكريمتين وجاء هذا في الآية: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ) (صّ:75)، فالله سبحانه وتعالى لم يُوكِلْ خلقه إلى الملائكة وإنما خلقه وصوره بنفسه عز وجل بيديه فشكله في صورة تمثال وترك هذا الطين مدة حتى جف فصار صلصال أسود كالفخار الذي يصنع منه الجِرار، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ([6])) (الحجر:26) إذاً لا تناقض في الآيات: آية تقول تراب وآية تقول طين وآية تقول طين لازب وآية تقول صلصال كالفخار وآية تقول حمإ مسنون كلها صحيحة حيث تسلسل خلقه وتصويره يقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) (الأعراف:من الآية11) وفي آية: (قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) (الاسراء:من الآية61) وفي آية أخرى: (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) (الرحمن:14).

وكان هذا الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة، وهذه من أيام الله عز وجل التي حساباتها تختلف عن أيامنا وحساباتنا، أما شكل هذا التمثال لما خلق فجاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ"([7]) منذ ذلك الزمان قامة الناس تنقص، كلما جاء جيل يكون أقصر من الجيل الذي قبله، فأطول الخلق هو أول الخلق: آدم عليه السلام ستون ذراعاً في السماء وأهل الجنة كلهم بطول آدم، وجاء في حديث يرويه الإمام أحمد تفرد به عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَانَ طُولُ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا".

آدم وإبليس .. اللقاء الأول

جاء في الحديث عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ يَنْظُرُ مَا هُوَ فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ"([8]) مخلوق ضعيف لا يتمالك ليس به قوة، وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يرويه الطبري: "أمر -الله تعالى- بتربة آدم فرفعت فخلق آدم من طين لازب واللازب اللازج الطيب من حمإ مسنون منتن، وإنما كان حمأً مسنوناً بعد التراب، فخلق منه آدم بيده، قال: فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل" عندما يضرب الفخار يصدر صوت فهو يصلصل وفي ذلك قول الله تعالى "من صلصال كالفخار" "ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره يدخل من دبره ويخرج من فيه ثم يقول: لست شيئاً للصلصلة ولشئ ما خلقت ولئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي لأعصينك" فمن البداية وقعت العداوة عنده ضد آدم عليه السلام، ثم نفخ الله تعالى الروح في آدم جاء ذلك في الآيات (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر:29).

نفخ الروح .. وسجود الملائكة

نفخ الله تعالى في آدم من روحه وفي الآية الأخرى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران:59) يقول ابن كثير رحمه الله: " فلما بلغ الحين الذي يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخلت الروح في رأسه عطس، فقالت له الملائكة قل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال له الله: رحمك ربك،  فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروح في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه، عجلان إلى ثمار الجنة، وذلك قول الله تعالى: (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) (الأنبياء:من الآية37).

عن مسلم بن يسار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) (الأعراف:172-173) فقال: سمعت رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم قال: "إن الله خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه واستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح على ظهره بيمينه واستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله على عمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله على عمل أهل النار حتى يموت على عمل من عمل أهل النار فيدخله النار"([9]) كل ميسر لما خلق له والإنسان مخير وهذا من معاني العقيدة العميقة في قضية القضاء والقدر وليس هذا مقام البحث فيه.

 

ولما خلق الله سبحانه وتعالى آدم وبث فيه الروح أمر الملائكة وإبليس بالسجود لآدم "فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ" كان إبليس من الجن الصالحين، فرفعه الله تعالى وجعله مع الملائكة وما كان من الملائكة أبداً -كما أسلفنا- لكنه كان في السماء إكراماً له لطاعته فرفعه الله تعالى في منزلة الملائكة وأمر الملائكة بالسجود وأيضاً أمر معهم إبليس فالأمر لم يكن للملائكة فقط، جاء في الآيات الصريحة أن إبليس جاءه أمر محدد للسجود يقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (الأعراف:11-12).

إبليس مطرود من رحمة الله

فلما عصى إبليس أمر ربه عاقبه بطرده من رحمته لما خانه طبعه في أحرج موقف فعصى وغوى واستكبر، عاقبه الله بأن أخرجه من الجنة، وحدث حوار بين الله سبحانه وتعالى وبين إبليس: (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنْ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) (الأعراف:13-18).

وجاء تفصيل ذلك في آيات أخرى منها: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) (سورة الحجر: 26-44).

إبليس يمعن في المعصية

وقال تعالى يصف هذا المشهد: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ([10]) وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) (الإسراء:61-65).

إذاً آيات كثيرة توضح المعصية الأولى لله عز وجل، وأنّ أول من عصى الله سبحانه وتعالى إبليس لعنه الله فنعته ووسمه بالكفر، فالكافر هو الذي يجحد النعمة، الله سبحانه وتعالى أنعم عليه ورفعه إلى السماء وهو يجحد النعمة: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (صّ:71-74) وجاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: "يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ".

وقد قال العلماء كل المعاصي أصلها الكبر والغرور ولذلك جاء في الأحاديث التحذير والإنذار الشديد على الكبر والمتكبر: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"([11]) وجاء في الأحاديث النهي عن إسبال الثوب تكبراً، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ"([12]) الذي يتفاخر بثوبه أو ببيته، الذي يتكبر على الناس أنا من عائلة كذا تفاخراً على خلق الله، فعن جابر بن عبد الله رضي االله عنهما قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ([13]) رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ" قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ"([14]).

آدم خُلِق عالماً مكرّماً

هكذا خلق آدم وهكذا كانت بدايته، حيث خلقه الله بيديه عالماً وما كان جاهلاً، الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان عالماً أعلم من الملائكة، وهذا العلم كله من الله: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا" واختلف المفسرون في ما هي الأسماء التي علمها الله تعالى لآدم، والرأي الراجح فيها رأي ابن عباس حيث قال: "هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وجمل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها"([15]) والله سبحانه وتعالى علمه صنعة كل شيء، الصنائع الأولى: صنعة النار والحديد والخشب، فقد رفعه ليس في الخلق والشكل فقط بل بالعقل والعلم.

وبعد أن علّمه الله الأسماء فوعاها، عرض المخلوقات على الملائكة: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:31) فالله سبحانه وتعالى يريد أن يبين لهم أن آدم أكرم وأعلم منهم، فإذا كنتم صادقين في قولكم: "فليخلق الله ما شاء فلن يخلق خلقاً إلا كنا أكرم منه وأعلم" فهو أكرم منهم حيث أمرهم بالسجود([16]) له.

وهو أعلم منهم حيث لما قال الله لهم: "أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ" فبدأ آدم في تسمية كل شيء، وكانت اللغة التي يستعملها آدم هي اللغة العربية لغة الملائكة ولغة أهل الجنة.

خلق حواء

عاش آدم في الجنة زمناً([17]) فاستوحش فخلق الله له حواء، وقيل أنه "نام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولِمَ خُلقت؟ قالت: لتسكن إلىّ، فقالت الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء، قالوا: ولم كانت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شئ حي"([18]) وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1) ويذكر في آية أخرى أن المرأة خلقت سكن وأنس للرجل موضحاً العلاقة القديمة بين الرجل وزوجته، علاقة المودة والرحمة (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21).

وسياق آيات عديدة يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم الجنة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:35).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ"([19]) وفي بيان كسرها روى أبو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا"([20]).

وجاء بأن حواء هي أجمل نساء العالمين، كما في قصة سارة زوجة إبراهيم عليهما السلام –كما سيأتي لاحقاً- كانت أجمل امرأة في الدنيا بعد حواء.

آدم وحواء في نعيم الجنة

سكن آدم وزوجه الجنة بأمر الله عز وجل: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:35) جنة عرضها السماوات والأرض كلها متاحة لكما، لا يوجد شيء ممنوع إلا شجرة واحدة، وفي آية أخرى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:35) الرغد يعني الحياة المترفة، حياة ليس فيها عناء أو تعب (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى) (طـه:116-118) إذاً التنبيه لآدم والتحذير من وسوسة الشيطان كان من البداية، وقبل أن تقع الوسوسة نفسها.

والآيات تبين أن الإنسان ما كان عارياً ثم تعلم اللباس -كما يقول البعض- بل أنزل الله سبحانه وتعالى عليه اللباس في الجنة وأنزل عليه اللباس في الأرض: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف:26).

الوسوسة في الجنة

ثم إن إبليس بدأ يوسوس .. هذه الوسوسة بدأت في الجنة([21]) ليست في الأرض، وذكر لنا الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قصة الوسوسة الأولى لآدم فقال: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ([22]) إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ) (الأعراف:20-21) أي إذا أكلتما من هذه الشجرة لن تكونا من البشر وستُخلّدانِ في هذا النعيم، وأقسم لهما الأيمان المغلظة أنه من الصادقين.

(فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) (الأعراف:22) مع أن آدم يعيش في الجنة لا ينقصه شئ، لكن سبحان الله عقل الإنسان يبقى فيه النقص.

وكانت حواء أول من أكل قبل آدم، وهي التي أغوته ليأكل من الشجرة، وعلى هذا يحمل الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ "([23]) فلما ذاقا الشجرة سقطت الثياب وظهرا عاريين، فاستحيى آدم واستحيت حواء، وهذا أصل في فطرة الإنسان، التعري تأباه فطرة الإنسان منذ آدم عليه السلام، وبدءا يقطعان من أوراق الأشجار ويضعانها على جسميهما حتى لا يظهرا عاريين، فشعر آدم بالخطيئة ففر جارياً فناداه الله عز وجل، روى أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أباكم آدم كان كالنخلة السحوق، ستون ذراعاً، كثير الشعر، مواري العورة، فلما أصاب الخطيئة في الجنة، بدت له سوأته فخرج من الجنة، فلقيته شجرة فأخذت بناصيته، فناداه ربه: أفراراً مني يا آدم؟ قال: بل حياء منك يا رب مما جئتُ به"([24]) لم يهرب لكنه خجل من المعصية.

لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار

فناداهما الله عز وجل: (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف:من الآية22-23) وهذا اعتراف واضح ورجوع صالح، وهذا من رحمة الله بعباده أن الإنسان يُمَهل للتوبة ويوفق لها، وهذا ما لم يوفق له إبليس لعنه الله، رغم معاتبة الله له، لكنه أصر على المعصية فطرد طرداً نهائياً من رحمة الله.

لكن الله قَبِل توبة آدم وحواء لما اعترفا بذنبيهما فتاب عليهما، حيث ألهمهما ما يقولانه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ([25]) فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:37) (فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (طـه:121-122)، وبهذه الخطيئة لم يكن آدم عليه السلام من أولي العزم: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) (طـه:115) العزم يعني أخذ النفس بالشدة والقوة.

الهبوط إلى الأرض

قبول التوبة لا يعني عدم العقاب، نعم تاب الله عليهما لكنه عاقبهما بإخراجهما من الجنة وإسكانهما الأرض وأنزل معهما إبليس ليستمر الاختبار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (الأعراف:من الآية24-25) ومن ذلك اليوم والعداوة بين آدم وذريته من جهة، وبين إبليس وذريته من جهة أخرى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) (طـه:123-126).

اختلف الرواة في مكان نزولهما، قال الحسن البصري وابن أبي حاتم: "أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة وإبليس بدستيمان من البصرة على أميال، وأهبطت الحية بأصبهان"([26]) وبدأ آدم بالبحث عن حواء في الأرض، حتى اجتمعا وتعارفا على جبل عرفات فبذلك سمي عرفة.

وهكذا بدأت حياة الكد والتعب، فأصبح يبحث عن الطعام والشراب والكساء بعد أن كان في نعيم ليس بعده نعيم "وقد ذكر بن جرير الطبري: أن حواء ولدت لآدم أربعين ولداً في عشرين بطناً، في كل واحد ذكر وأنثى، أولهم قابيل وأخته قليما، وآخرهم عبد المغيث وأخته أم المغيث، ثم انتشر الناس بعد ذلك وكثروا "([27]) وكان نبيهم آدم هو الذي كان يعلمهم الدين فكان الناس أمة واحدة على التوحيد لا يوجد فيهم مشرك.

 

قابيل وهابيل

وفيها أول جريمة في التاريخ، جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل، قابيل كان في طبعه خشونة وشدة وكان يعمل بالزراعة، وأما هابيل فكان فيه ليونة ورقة وكان يعمل بالرعي.

وكان الله قد شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، حيث كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل أقل جمالاً من أخت قابيل، فأراد قابيل -وهو الأخ الأكبر- أن يستأثر بها على أخيه، وقال: هي أختي ولدت معي وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قرباناً فمن تقبل منه فهي له.

وفي يوم كان آدم عليه السلام قد غاب عنهما، يريد مكة كما أمره الله، وقبل أن يغادر استأمن على ولديه السماء فأبت، وقال للأرض فأبت وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، فوافق وقال: نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فلما انطلق آدم قربا([28]) قرباناً، فقرب هابيل كبشاً من أفضل ماعنده، وقرب قابيل زرعاً غير صالح، فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين.

والقربان هو هدية تقدم لله سبحانه وتعالى مثل الهدي اليوم الذي هو هدية نهديها لله سبحانه وتعالى، أو الصدقات والزكوات، وكان عندهم علامة في قبول القربان أن الله سبحانه وتعالى يرسل ناراً على الصدقة أو القربان، فإذا أكلته النار فهذا يعني قبوله عند الله، والذي لا تأكله النار غير مقبول.

وقيل أنه ذات عشية تأخر هابيل في غنمه، فأرسل آدم قابيل لينظر ما بال أخيه، فقال قابيل في نفسه الليلة أقتله، وأخذ معه حديدة فاستقبله وهو منقلب، فقال: ياهابيل تُقُبِّل قربانك ورُدّ علي قرباني، لأقتلنك، فقال هابيل: قربت أطيب مالي وقربت أنت أخبث مالك، وإن الله لا يقبل إلا الطيب إنما يتقبل الله من المتقين، إن أردت قتلي فأنت ستبوء بإثم قتلي مع إثمك الأول ومعصيتك لأمر الله، فلما قالها غضب قابيل فقتله بحديدة وقيل بصخرة.

ثم حمل أخاه على ظهره وبدأ يسير به ولا يعرف ماذا يفعل؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى غرابين فتقاتلا فقتل أحدهما الآخر أمام نظر قابيل، فرأى الغراب الحي وقد بدأ يحفر في التراب ودفع بجثة الغراب الميت ثم حثا عليه التراب، فتعلم قابيل من الغراب كيف يدفن أخاه، فحفر في الأرض ووضع هابيل في الحفرة وحثا عليه التراب، وأصبح نادماً على فعلته لكنه ما استغفر وما تاب توبة نصوحاً، فالتوبة النصوح لا يكفي فيها الندم بل لابد أن يستغفر الله.

وذكر لنا الله سبحانه وتعالى ما حدث بين قابيل وهابيل: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ([29]) * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ) (المائدة: 27-31).

كن كابن آدم

روى الإمام أحمد أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي" قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: "كُنْ كَابْنِ آدَمَ".

وفي الحديث الآخر: عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا خَالِدُ: إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَحْدَاثٌ وَفِتَنٌ وَاخْتِلَافٌ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ لَا الْقَاتِلَ فَافْعَلْ"([30]).

قابيل أول من سن القتل، فباء بنصيب من إثم كل قاتل إلى قيام الساعة: عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ"([31]) وهكذا فإن من سنّ سنة سيئة فعليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة فعَنْ ابْنِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا فَلَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةَ شَرٍّ فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا"([32]).

لما قتل قابيل هابيل هرب، لم يرد أن يواجه آدم وأخذ معه زوجته وعاش في السهول، وكان آدم وذريته يعيشون قرب الجبال، فعاش قابيل في السهول وانقطع عن آدم، وبدأت تتناسل ذريته وانتشرت بينهم الفواحش ومعصية الله ومخالفة شريعة الله، لكنهم كانوا يعبدون الله ولم يعبدوا الأصنام، وانقسم الناس إلى قسمين: أهل الشر مع قابيل، وأهل الخير مع آدم وأبناء آدم الآخرين.

وفاة آدم والوصية لابنه شيث عليه السلام

وقصة وفاة آدم عليه السلام رويت في أحاديث كثيرة، فيها تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياته، وطريقة دفنه التي أصبحت من بعده سنة البشر في دفن موتاهم، لا كما فعل قابيل بأخيه بل كما علمنا الله من خلال دفن الملائكة لآدم عليه السلام، والقصة في الحديث عَنْ عُتَيٍّ بن ضمرة قَالَ: رَأَيْتُ شَيْخًا بِالْمَدِينَةِ يَتَكَلَّمُ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا: هَذَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: "إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: أَيْ بَنِيَّ إِنِّي أَشْتَهِي مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَ لَهُ فَاسْتَقْبَلَتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَمَعَهُمْ أَكْفَانُهُ وَحَنُوطُهُ وَمَعَهُمْ الْفُؤُوسُ وَالْمَسَاحِي وَالْمَكَاتِلُ([33]) فَقَالُوا لَهُمْ: يَا بَنِي آدَمَ مَا تُرِيدُونَ وَمَا تَطْلُبُونَ؟ أَوْ مَا تُرِيدُونَ وَأَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ قَالُوا أَبُونَا مَرِيضٌ فَاشْتَهَى مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، قَالُوا لَهُمْ: ارْجِعُوا فَقَدْ قُضِيَ قَضَاءُ أَبِيكُمْ، فَجَاءُوا فَلَمَّا رَأَتْهُمْ حَوَّاءُ عَرَفَتْهُمْ فَلَاذَتْ بِآدَمَ، فَقَالَ: إِلَيْكِ إِلَيْكِ عَنِّي، فَإِنِّي إِنَّمَا أُوتِيتُ مِنْ قِبَلِكِ، خَلِّي بَيْنِي وَبَيْنَ مَلَائِكَةِ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَقَبَضُوهُ وَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَحَنَّطُوهُ([34]) وَحَفَرُوا لَهُ وَأَلْحَدُوا([35]) لَهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ ثُمَّ دَخَلُوا قَبْرَهُ فَوَضَعُوهُ فِي قَبْرِهِ وَوَضَعُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ([36]) ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ الْقَبْرِ ثُمَّ حَثَوْا عَلَيْهِ التُّرَابَ ثُمَّ قَالُوا: يَا بَنِي آدَمَ هَذِهِ سُنَّتُكُمْ"([37]).

ومات آدم عليه السلام بعد حياة دامت تسعمائة وستين (960) سنة كلها طاعة لله عز وجل، ما عصى الله عز وجل إلا مرة واحدة عندما أكل من الشجرة، وماتت حواء بعده بعام واحد عليها السلام.

وعن مدة حياته عليه السلام ورد حديث عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا([38]) مِنْ نُورٍ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ أَيْ رَبِّ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لَهُ دَاوُدُ، فَقَالَ: رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ أَيْ رَبِّ: زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا قُضِيَ عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ! قَالَ: فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ"([39]) إذاً آدم عليه السلام: جحد ونسي وأخطأ، وهذا ليس عمداً بل نسياناً، ومن يومها أصبح النسيان من طبيعة الإنسان وقيل أنه لهذا سمي الإنسان إنساناً لأنه كثير النسيان.

وقبل أن يموت كان قد عهد لابنه شيث، الذي رزقه الله تعالى لآدم بعد موت هابيل، وكلمة شيث معناها (هبة الله) أي نعمة الله، وعلمه حسابات الليل والنهار، وعلمه العبادة في تلك الساعات، وقد جاء في حديث أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف، على شيث خمسين صحيفة"([40])، وتولى شيث بن آدم الحكم والنبوة من بعده وصار يحكم في الأرض بالعدل والخير، وقيل أنه أول من أقام بناء الكعبة على أساسات الملائكة.

الجاهلية الأولى

قلنا من قبل أن قابيل وذريته سكنوا السهول، وأن آدم وبقية ذريته سكنوا الجبال، وأن الفساد قد انتشر في أهل السهول عند قوم قابيل، وقد ذكر ابن عباس -رضي الله عنهما- بداية الفساد وانتشاره في معرض تعليقه على الآية الكريمة: "وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى"([41]) قال: هذه الآية (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) التي كانت فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صُبَّاحاً وفي النساء دمامة وقبح في المنظر، وكان نساء السهل صباحاً وفي الرجال دمامة، وإن إبليس لعنه الله أتى رجلاً من أهل السهل في صورة غلام، فآجر نفسه منه فكان يخدمه، فاتخذ إبليس شيئاً من مثل الذي يَزْمُر فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيداً يجتمعون إليه في السنة فيتبرج النساء للرجال، قال: ويتزين الرجال لهن، وأن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن فنزلوا معهن، وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قول الله تعالى (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)"([42]).

احتجاج آدم وموسى عليهما السلام

وقد وردت روايات صحيحة تبين أن خطيئة آدم وإخراجه من الجنة وإنزاله للأرض، إنما هو أمر قد قدّره الله عليه من قبل أن يخلق آدم وأن هذا لحكمة أرادها الله، قضت بأن يحيى الإنسان حياة الكد والعمل في هذه الأرض ليبتليه، حيث قال عز وجل: "إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (الانسان:2) وقال أيضاً: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:56).

ومن تلك الأحاديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنْ الْجَنَّةِ! قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَكَلَامِهِ؟ ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ!، فَحَجَّ([43]) آدَمُ مُوسَى"([44]).

وعنه أيضاً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى لِآدَمَ: آنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ؟! قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَجَدْتَهَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى"([45]).

 

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في نهاية الحديث "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى" يشهد لآدم، لذا فليس لبشر أن يلوم آدم على فعله بعد هذه الحجة التي شهد لها خير البشر والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.


([1]) "أخبرهم بذلك على سبيل التنويه" كما يقول ابن كثير.

([2]) ابن كثير.

([3]) الخشن والغليظ الطبع.

([4]) رواه الترمذي، حسن صحيح.

([5]) طين لازب: طين مبلّل متلاصق.

([6]) حمإ مسنون: طين متغير.

([7]) رواه البخاري.

([8]) رواه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده.

([9]) رواه الإمام مالك في موطئه.

([10]) فمن السنّة أن يذكر الإنسانُ الله عندما يأتي أهله، وعند طعامه وشرابه وفي شأنه كله.

([11]) رواه مسلم في صحيحه.

([12]) رواه البخاري في صحيحه.

([13]) الكسع: الضرب على المؤخرة.

([14]) رواه الإمام أحمد في مسنده.

([15]) ابن كثير.

([16]) سجود تكريم وليس سجود عبادة، فسجود التكريم كان جائزاً أما في شرعنا فهو مُحرّم، ولذلك يعقوب عليه السلام وزوجته وأبناؤه سجدوا ليوسف (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف:100).

([17]) اختلفت الروايات في المدة فمنهم من قال بعض يوم ومنهم من قال مائة عام وقيل غير ذلك.

([18]) ابن كثير.

([19]) صحيح البخاري.

([20]) رواه مسلم.

([21]) وجمهور العلماء على أن الجنة التي عاش فيها آدم هي التي في السماء وهي جنة المأوى، وهناك من قال أنها في الأرض،  وقيل غيرذلك.

([22]) قيل هي شجرة الحنطة وقيل النخل وقيل غير ذلك.

([23]) رواه مسلم.

([24]) ابن كثير.

([25]) وهذه الكلمات هي كما في الآية: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ).

([26]) ابن كثير.

([27]) ابن كثير بتصرف.

([28]) وقيل أنهما قربا قرباناً من غير هذا السبب وهو ظاهر الآيات.

([29]) كان أبو الدرداء يقول: لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة، أحب إلي من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ).

([30]) رواه الإمام أحمد.

([31]) رواه البخاري.

([32]) رواه الترمذي وقال حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

([33]) المسحاة: المجرفة، المكتل: السلة أو القفة.

([34]) الحنوط: عطر يطيب به الميت.

([35]) اللحد: حفرة مائلة داخل القبر يوضع به الميت.

([36]) اللبِن: حجر من الطين كان يستخدم في البناء.

([37]) رواه الإمام أحمد في مسنده.

([38]) الوبيص: البريق واللمعان.

([39]) رواه الترمذي.

([40]) ابن كثير.

([41]) الأحزاب:من الآية33.

([42]) ابن كثير عن ابن جرير الطبري.

([43]) حجَّ: أي غلب بالحجة والدليل والبرهان.

([44]) رواه البخاري.

([45]) رواه البخاري.

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

2 thoughts on “قصة آدم عليه السلام

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s