مظاهر التغير عند الشباب في العالم الإسلامي: النمو الجسدي والنفسي والاجتماعي 2/3

مقال رائع للكاتب: عبد العزيز الغازي

تتجلى مظاهر التغير عند الشباب في العالم الإسلامي في ثلاثة مظاهر أساسية هي :

أولاً: النمو الجسدي والنفسي والاجتماعي في مرحلة الشباب :

 

2. النمو النفسي :

والمظاهر النفسية لنمو المراهق تتجلى في الخصائص المميزة لانفعالاته والتي أهمها :

أ) حساسية شديدة (ب) مظاهر يأس وقنوط (ج) تمرد وعصيـــان

(د) كثرة أحلام اليقظة (هـ ) الصراع النفسي (و) الوعي الديني (ز) قلق وعدم استقرار.

أ) حساسية شديدة :

يتأثر المراهق سريعا لأتفه المثيرات الانفعالية فهو مرهف الحس، رقيق الشعور، تسيل دموعه سرا أو جهرا، ويتأثر حين ينتقده الناس ولو كان النقد هادفا وصحيحا، شديد التأثر بما يسمعه من مواعظ دينية أو خلقية أو قصص تاريخية أو بطولية أو آثار أدبية. وترجع هذه الحساسية المرهفة إلى اختلال في اتزان هرمونات الغدد، وإلى التغيير العميق الذي يطرأ على إدراكه لمعالم البيئة إلى جانب سرعة نمو هيكله العظمي، مما تزيد معه الأبعاد  الجسمية زيادة مفاجئة له ولغيره، وهذا النمو السريع في الهيكل العظمي لا يصاحبه بنفس السرعة نمو في مختلف الأجهزة الجسمية الأخرى.

كما أن هذه الحساسية ترجع إلى عدم مقدرة المراهق على التكيف السريع مع البيئة المعقدة والمتجددة، والتي تتطلب منه سلوكا أكثر نضجا وتصرفا أكثر تعقلاً، وهو ما زال عاجزا عن التحكم بجسمه وتعبيراته، أو السيطرة على ما يتصارع فيه من انفعالات متضاربة لم تبلغ مرحلة الاستقرار والاتزان.

ب) مظاهر يأس وقنوط  وكآبة :

يعاني المراهق من انفعالات متناقضة لم تستقر بعد، ويحاول أن يكتم ذلك خشية أن يعلم الناس. وهذا ما يشعره بفشله وإفلاسه وإحباطه، وكثيرا ما يدفعه ذلك إلى الانطواء على الذات والميل نحو العزلة والانزواء، ليعيش مع أحزانه وهمومه وهواجسه وما لديه من آمال عزيزة جميلة بناها في خياله الواسع، ثم تحطمت قبل أن ترى نور الوجود.

ج) تمرد وعصيان :

يعتقد المراهق أن الناس لا يفهمونه وأن والديه أو من يقوم مقامهما يريدان فرض السلطة عليه، وكأنه لا يزال طفلا وأنهما من جيل قديم. وأن المجتمع لا يساعده على تحقيق أمانيه. فالمساعدة من أهله يفسرها على أنه تدخل والنصيحة يفهمها على أنها تسلط وإهانة، فيريد أن يثبت وجوده وشخصيته بالعصيان وسلوك التمرد. فسلوك المراهق في التحدي والتنطع والعصيان والانحراف ومخالفة الجماعة أو ما نحترمه من نظم وآداب، يعتبر مظهرا للتمرد والعصيان. وقد يسلك المراهق مظهرا سلبيا في الفرار من المنزل أو الانسحاب من الحياة الاجتماعية.

د) كثرة أحلام اليقظة :

أحلام اليقظة سرحات ذهنية يحلق بها الإنسان بعيدا عما حوله ليعيش وهو يقدر أن يحقق ما يريد أو يتصور أنه كان حقا ما يتمنى. فالمراهق والمراهقة يجدان في أحلام اليقظة متنفسا لرغباتهما وإشباعا لآمالهما التي ضن بها عليهما المجتمع، فيلتمسان أبسط الطرق وأقربها حتى ينعما بتحقيقها في أجواء خيالية من عالم أحلام اليقظة، فهما  يحلمان بمستقبل باهر، ويحلمان برجولة قوية أو أنوثة كاملة،  ويحلمان بنجاح دراسي متفوق، أو ثروة طائلة، أو زوجة جميلة يحبها وتحبه وزوج قوي، أو بالطيران على بساط الريح إلى مستقبل سعيد، وقد أصبحا ذا مركز مرموق وأولاد نجباء وأحيانا يحلمان بالموت فرارا من مشاكلهما أو بموت أحد أصحاب السلطة الذين يحولون بينهما  وبين ما يريدانه.

والمراهق والمراهقة فوق ذلك يناجيان نفسهما كثيرا، ويحاورانها حوارا داخليا صامتا وعنيفا لأعمال قاما بها، أو لمقابلات سيقومان بها، أو لمشاريع شخصية يفكران في إنجازها في محيط الأسرة أو المجتمع أو العالم بأسره والإنسانية كلها.

وأحلام اليقظة قد يجد فيها المراهق و المراهقة راحة وإشباعا وسلوانا لما يفتقدانه في الحياة الواقعية العملية. وليس ثمة خطر على المراهق ذكراً أو أنثى، إذا اتجه إليها اتجاها معتدلا لا يقطعه عن العمل الجدي ولا يحول بينه وبين إنشاء علاقات سليمة مع الناس.

هـ) الصراع النفسي :

يعاني المراهق والمراهقة صراعا نفسيا يتجلى في تطرفهما الانفعالي وتقلبهما بين النقيضين في مظاهر الانفعال. والسبب الأول في ذلك هو المراهقة نفسها، لأنهما يمران في مرحلة تطور عنيف وانتقال شامل في كيانهما الجسمي والعصبي والعقلي، فهما يريدان الآن ما يرفضانه بعد قليل، ثم يمران بفترة لا يدريان معها ماذا يريدان، و ما ينتظران من الناس أن يحققوا لهما  ما لا يدريانه بنفسيهما ولا يستطيعان أن يتبيناه.

والسبب الثاني في صراعهما النفسي هم الناس الذين يعيشون حولهما ولا يغيرون نظرتهم إليهما ، رغم أنهما قد تغيرا، فالفتى المراهق يعتبر نفسه قد كبر وصار كغيره من الكبار في امتيازاتهم وحقوقهم، بينما لا يزال أفراد الأسرة والمدرسون والمجتمع ينظرون إليه كطفل، سواء بالنسبة للفتاة المراهقة أو الفتى المراهق .

فالصراع النفسي يتجلى في تطرف المراهق ـ فتى أو فتاة ـ وتقلبه وعدم استقراره وتناقضه نتيجة طبيعية لما يعانيه من تغيرات جسمية داخلية وخارجية. فإذا ثار فإن ثورته لا تقف عند حد، وإذا غضب لا يستطيع التحكم في أعصابه و حركاته وسلوكه، وإذا رضي أو فرح فإنه يقوم بحركات صبيانية من قفز أو صياح أو غناء أو هز عنيف لمن كان أمامه، أو مصافحة لها أصوات، أو دوران على رجله الواحدة حول نفسه بحركة بهلوانية. فهو متطرف في كل انفعال مبالغ في كل تعبير مسرف في كل مظهر من مظاهر الحياة العاطفية، شديد الغضب سريع الرضا لا يعرف التوسط أو الاعتدال.

و) الوعي الديني :

تتميز المراهقة بسمو في مستوياتها الإدراكية العقلية. فالفرد في سنواته (18-15) يتحرر من شطحات الخيال و من أوهامه، ويتحرر أيضا من قيود الحس ويدرك أخطاء حواسه أحيانا، فيصبح بذلك قادرا على التجريد الذي يقتضي إدراك الأشياء البعيدة عن عالمه الحسي، كما أنه يستطيع التصور العقلي السليم والإدراك الذهني الصحيح.

كل هذه العوامل العقلية تتعاون في إيجاد نوع من الوعي الديني في إدراك فلسفة الحياة. أين كان الإنسان قبل أن يولد ؟ وإلى أين يسير ؟ وما هو المصير ؟ ويفكر في الخالق المدبر، وتغذي هذه الأفكار الدينية المثل العليا للحياة، مما يدفعه إلى الالتزام بتعاليم الدين والقيام بواجباته.

وهناك عامل نفسي يدفع المراهق والمراهقة إلى التدين وهو شعور بالعجز والخوف، فيجدان في الدين أملا مشرقا بعد يأس، وأمنا بعد خوف، ويجدان فيه أيضا ملجأ لفراغهما النفسي وقلقهما الانفعالي والروحي أحيانا. كما أنهما  يجدان في الأوامر والنواهي الدينية نظاماً لجميع مجالات الحياة.

وهذا الوعي الديني إذا لم يجد رعاية سليمة وتوجيهاً صحيحاً وتربية حسنة، فإنه ينقلب إلى انحراف أو إلحاد وازدراء.

وهذا ما يظهر لنا قيمة التوجيه الديني والخلقي للمراهق والمراهقة في مرحلة الدراسة المتوسطة والثانوية التي تصادف بدء التكليف الديني والالتزام القانوني والمسؤولية الخلقية.

ز) قلق وعدم استقرار :

ينتاب الفتيات كثير من القلق والخوف بسبب الحيض، في حين أنه ظاهرة جسمية وظيفية عضوية عادية لا تضعف الفتاة ولا توهنها. وكمية الدم التي تفقدها قليلة نسبيا وسرعان ما يعوضها الجسم. وقد تنقطع العادة فترة بعد ظهورها وهذا مما يزيد القلق عند الفتاة.

وينبغي أن تلم الفتاة بثقافة تتصل بطبيعتها التشريحية والوظيفية، وذلك قبل أن تصل إلى البلوغ. ومصادر الثقافة هي الوالدة أو المعلمة أو كتب صحية توجيهية.

وكذلك يكون الاحتلام أي تدفق السائل المنوي خلال النوم لدى الفتى مصحوبا أحيانا بحلم نومي غريزي مصدر قلق  زائد للمراهق، معتقدا أن هذا التدفق ينقص من حيويته أو أنه مرض قد نزل به، بالرغم من أنه ظاهرة طبيعية سوية باعتبارها نتيجة لنشاط الغدد التناسلية. وهذا ما يوضح لنا أهمية الثقافة الصحية الصحيحة الموجهة.

والحقيقة أن مشكلة فتياتنا وفتياننا ليست في أن نختار بين إعطائهم الثقافة الصحية الصحيحة الموجهة ،وبين تركهم في حالة من الجهل بها، وإنما المشكلة أن نختار بين تقديم الثقافة الناضجة النافعة لهم من مصدر معلوم ومسؤول (كمصارحتهم من طرف الوالدين بالأمور الجنسية عند البلوغ. لأنه واجب شرعي يترتب عليه أداء الواجبات الشرعية. وتدريسهم ضمن مادة العلوم في الأبواب الخاصة بأجهزة الجسم وأعضائه، نظرة علمية حول الجهاز التناسلي ومكوناته ووظائفه، وطرق التعامل مع الغريزة الجنسية وفق ما تجيزه الشريعة، والأمراض التي قد تنتج عن سوء الاستجابة لهذه الغريزة، وتعريفهم ببعض الطرق المستمدة من الشريعة الإسلامية الهادفة إلى وقاية الشباب من مختلف الأمراض والمخاطر)، وبين معلومات خاطئة ينالها الفتى أو الفتاة من زميل صغير، أو مطبوعات غير سليمة صحيا وخلقيا. وهناك مصدر آخر للقلق ولعله أكثر أهمية مما سبق، وهو ما  يضايق المراهق بسبب غموض في مستقبله الاقتصادي والعائلي والاجتماعي والدراسي.

 

وللمقال بقية…

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s