توطئة كتاب: ألف باء في قصص الأنبياء

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

 قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) (يوسف:3) وقال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ) (الكهف:من الآية13) وقال: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف:من الآية176) هذه الآيات تشير إلى أهمية القصص وكيف أنها منهج قرآني رباني أصيل، ليثبّت به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من بعده؛ لعلهم يتفكرون ويتأملون ويتدبرون في هذه القصص.

وقصص الأنبياء الذين ذكروا في القرآن الكريم والسنة النبوية بعضها مجموع ومفصل مثل قصة يوسف عليه السلام، وبعضها متفرق مثل قصة موسى عليه السلام، و الرسل الذين ذُكروا لنا خمسةٌ وعشرون رسولاً جاء ذكرهم في آيات كريمات منها قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 8386).

وقد قال الله تعالى في بيان سبب هذا التفصيل الكثير لقصص الأنبياء في القرآن: (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود:120) إذاً هي تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، وفصل في الحق الذي اختلف فيه الناس لتبيان كثير من الخلل التاريخي الذي ورثناه وورثه الناس، جاء القرآن ليصحح هذه الأخطاء التاريخية، وليظهر الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين.

وقد بين سبحانه وتعالى أنّ الرسل ليسوا بمرتبة واحدة؛ بل هم على مراتب ودرجات متفاوتة: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) (البقرة:من الآية253).

وفي هذه القصص عبرة وموعظة لمن كان له عقل يتفكر به: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:111) فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام مصابيح الهدى وهم الأسوة والقدوة، وقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم أن يقتفيَ آثارهم ويتبع سيرتهم في الدعوة والصبر عليها: (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (الأنعام:90) أي سِرْ على هذا المنهج واتبع هذا السبيل الذي أُرسل به الأنبياء من قَبل.

والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام تتابع إرسالهم منذ بداية الخلق وصولاً إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهور في عدد الأنبياء ما رواه ابن حبان من حديث أبي ذر الغفاري أنه قال: "قلت يا رسول الله: كم الأنبياء؟ قال: مائةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرونَ ألفاً (124,000)، قلت يا رسول الله: كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ (313)، جمٌّ غفير، قلت يا رسول الله: من كان أوّلهم؟ قال: آدم، قلت يا رسول الله: نبي مرسل؟ قال: نعم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سوّاه قبيلاً، ثم قال يا أبا ذر: أربعة سريانيون: آدم وشيث ونوح وخنوخ -وهو إدريس- وهو أول من خط بالقلم، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وأول النبيين آدم وآخرهم نبيك"([1]).

 

ولم تخلُ البشرية يوماً من شريعة رسول أو دعوة نبي، حتى كان في بني إسرائيل كلّما مات نبي أُرسل نبي، وكان أحياناً في الزمن الواحد في البلد الواحد ثلاثة أنبياء: (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) (يّـس:14) فكلما واجهت البشرية انحرافاً أرسل الله سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل عليهم السلام لينقذوا البشرية ويصححوا المسار.

وفي سبيل دعوتهم لله بذلوا الجهد وصبروا وتحملوا الأذى؛ ليبلّغوا الرسالة كما أمرهم الله عز وجل، فكان وجودهم ضرورة وحاجة للبشر، وما كان الله سبحانه وتعالى ليترك البشر دون نذير، لذا فكل الأمم جاءها نذير حتى تقوم حجّة الله على البشر يوم القيامة: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر:24).

ومما ميّز قصص الأنبياء عن غيرها من القصص أنها:

  1. قصص صحيحة غير معبوث بها ولا مفتراة: وإنما وصلتنا بأحسن الطرق الصحيحة من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية وهما من أثبت مصادر الرواية والتأريخ، حيث تكفّل الخالق سبحانه وتعالى بحفظ كتابه ودين نبيه، ولِما حَظِيا من تدقيق وتمحيص في الرواية والرواة، فأصبحا أفضل ما تطمئن له النفس في سرد قصص الأنبياء التي كثيراً ما شُوّهت في كتب غير المسلمين.

  2. قصص واقعية ليست خيالية: ليست من نسج الخيال وإنما قصصٌ حدثت في أرض الواقع وعاشتها البشرية في فترات حياتها المختلفة.

  3. قصص ذات عبرة: ليست قصصاً للترف والتسلّي وإنما قصص مملوءة بالمعاني والعبر، لأجل أن نسير نحن الذين خلفناهم على هذا النهج ونقتدي بهم ونتجنب الأخطاء التي وقعت بها الأمم من قبلنا.

  4. تعتبر محور التاريخ البشري: صحيح أنه كان للملوك والقادة أثر كبير في تحديد مسار التاريخ البشري؛ لكن الأثر الذي تركه الرسل والأنبياء عليهم السلام في تحديد تاريخ البشر أعظمُ وأبلغ في صناعة التاريخ، ولن نستطيع أن نفهم التاريخ إذا لم نعرف قصص الأنبياء.

  5. مفتاح لفهم القرآن: كم من آية وآية تتكلم عن الأنبياء وأقوامهم، فإذا لم نعرف القصة فقد تخفى علينا الكثير من المعاني، كم مرة ذكرت لنا قصة بني إسرائيل مع موسى، وفرعون مع موسى؟ أكثر من سبعين موضعاً (ليس سبعين آية) في كلِّ موضعٍ حادثة وحكاية قد تتجاوز عشرات الآيات، وكم سورة سميت بأسماء الأنبياء؟.. فالذي يجهل قصص الأنبياء فاته جزء كبير من القرآن.

  6. تعلّمنا منهج الدعوة: استعراض قصص الأنبياء ودراستها يعطينا صورة حية عن منهج الدعوة إلى الله، فنحن مأمورون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل:125) وهذا ما تقدمه لنا قصص الأنبياء عبر أنماط البشر عبر التاريخ، وحتى نستطيع أن نسير على المنهج الصحيح لابد لنا من أسوة وقدوة ومثال نقتدي به ونسير على نهجه، وأعظم قدوة وخير مثال هو محمد صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21).

     

والأنبياء والرسل هم أعظم المثال بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولنا –كذلك- في الصالحين والصحابة الكرام قدوة ومثل، لكنّهم يأتون بعد الرسل والأنبياء، ولذلك جاء في الحديث عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ماطلعت الشمس ولا غربت على أحد أفضل من أبي بكر إلا أن يكون نبي"([2]) فمنزلة الصحابة الكرام منزلة سامية لكنها تأتي بعد الأنبياء والرسل.

وحيث أن القصص تتقلب بين الرسول والنبي، والمعجزة والكرامة؛ فإنني أقدم بعض المصطلحات الهامّة التي سترد في سياق القصص؛ لِتُيَسر على القارئ فَهْمَ ومتابعة القصص.

·        الرسول: هو إنسان ذكر حر، أوحى الله تعالى إليه بشرع وأمره بتبليغه للناس (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) (يوسف:من الآية109).

·        النبي: هو إنسان ذكر حر، أوحى الله تعالى إليه وبعثه لتقرير شريعة مَنْ قبله من الرسل (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) (يوسف:من الآية109).

·        المعجزة: هي أمر خارق للعادة يظهره الله على يَدِ مُدّعي النبوة على وفق مراده تصديقاً لدعواه مقروناً بالتحدي مع عدم معارضته، وذلك كله في زمن التكليف([3]).

·        الكرامة: هي أمر خارق للعادة يظهر على يد المولى غيرُ مقرون بدعوى النبوة([4]).

·        الإيمان بالملائكة: هو الإعتقاد الجازم بأن لله ملائكة خلقهم من نور مجبولين على طاعته، كلفهم الله بأعمال ووظائف مختلفة، فهم عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون، (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم:من الآية6).

·        الجن: هم نوع من أنواع الأرواح العاقلة المريدة؛ على نحو ما عليه البشر، لكنهم مجرّدون من المادة البشرية، مستترون عن الحواس، لا يُرون على طبيعتهم ولا بصورتهم الحقيقية ولهم قدرة على التشكّل([5])، وإبليس من الجن.



([1]) رواه أبو حاتم بن حبان في كتابه الأنواع والتقاسيم، ووسَمَه بالصّحة.

([2]) تاريخ الخلفاء للسيوطي.

([3]) اللوح، عبد السلام حمدان. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. ط2. غزة: آفاق للطباعة والنشر والتوزيع، 2002

([4]) المرجع السابق.

([5]) سابق، سيد. العقائد الإسلامية: الإلهيات، النبوات، السمعيات. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1998.

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

2 thoughts on “توطئة كتاب: ألف باء في قصص الأنبياء

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s