قصة نوح عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

   نوح عليه السلام هو: نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ _وهو إدريس_ بن يرد بن مهلاييل بن قينين ابن أنوش بن شيث بن آدم، نبي رسول، أرسل إلى قومه وكان يقال لهم "بنو راسب"، وكان بينه وبين آدم عليه السلام ألف سنة فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام"([1]) والقرن مائة سنة.

بعد آدم عليه السلام بقي الناس على عقيدة التوحيد ليس فيهم شرك، يوحدون الله جل جلاله لكنهم يعصونه ويخالفون أوامره وشريعته، إلى أن وسوس لهم إبليس وزين لهم عبادة الأوثان من دون الله، وقد ذكر ابن عباس في تفسيره لقول الله تعالى:(وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) (نوح:23) أنه قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسّخ العلم عبدت" حيث قالوا لو صورناهم لكانوا عوناً لنا على العبادة، ولذكّرتنا صورهم بفعل الخير، فصوّروهم، فـلـمـا انقرض ذلك الجيل، وجاء مَن بعدهم :أوحى إليهم إبليس بأن آباءهم كانوا يعبدون تلك الصور، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم، وانتشر الفساد في البلاد، وساد الكفر.

فأرسل الله نوح عليه السلام إليهم يدعوهم إلى توحيد الله وترك الفساد والكفر: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ  * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ  * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (نوح:1-4).

وكان عليه السلام سباقاً في التنويع بين أساليب الدعوة لقومه، فتارة يدعوهم في الليل وأخرى في النهار، فرادى وجماعات، لكنهم ما ازدادوا إلاّ فراراً وإعراضاً عن الحق، وقد ذكر الله ذلك: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً) (نوح:5-9) ثم رغّبهم أيما ترغيب، وبين لهم نعم الله عليهم: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً) (نوح:10-20).

نوح بين مواجهة الملأ وقلة المؤمنين

لكن السادة وكبّار القوم –الذين أعمى الحكم والسلطان أبصارهم- في كل زمان وكل حين يقفون في وجه دعوة الله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (الأنعام:123) فأغووا الناس وضلّلوهم برموز جعلوها آلهة من دون الله: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً * وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً * وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) (نوح:21-23) ومنعوا الناس من مخالطة نوح وأتباعه أو حتى الكلام معهم.

ورأى السادة أن بعض الناس بدأوا يتبعون نوح عليه السلام ولاحظوا أنّ هناك ظاهرة واضحة في أتباع نوح -على قلتهم- أنهم جميعاً من الفقراء المساكين، والضعفاء العبيد الذين ليس لهم شأن، حيث أن الذين اتبعوا نوح عشرة أشخاص، وأقصى عدد يذكره المؤرخون ثمانون رجل وامرأة فقط، وكان من مكرهم ودهائهم أن قالوا يا نوح سنسمح للناس أن يكلموك ونسمح لك أن تدعوهم وقد نؤمن بك، لكن شريطة أن تطرد هؤلاء الضعفاء والفقراء من حولك، هؤلاء أذلاّء ونحن أعزة، نحن عليّة القوم وإلاّ لن نجلس معك أونسمع لك، قال تعالى في ذلك: (فَقَالَ الْمَلَأُ([2]) الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) (هود:27) و"الملأ من قوم نوح كالملأ من قوم كل نبي، تعميهم مكانتهم الدنيوية عن رؤية هذه الخصائص العلوية، فلا يدركون مبرراً لاختصاص الرسل بالرسالة، وهي في زعمهم لا تكون لبشر، فإن كانت فهي لأمثالهم من الوجهاء العالين في الأرض.. "مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا" هذه واحدة، أما الأخرى فأدهى "وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ" وهم يسمون الفقراء من الناس أراذل كما ينظر الكبراء دائماً إلى الآخرين الذين لم يؤتوا المال والسلطان وأولئك هم أتباع الرسل السابقون غالباً؛ لأنهم بفطرتهم أقرب إلى الاستجابة للدعوة، التي تحرر الناس من العبودية للكبراء، وتصل القلوب بإله واحد قاهر عالٍ على الأعلياء، ولأن فطرتهم لم يفسدها البطر والترف ولم تعوقها المصالح والمظاهر عن الاستجابة؛ ولأنهم لا يخافون من العقيدة في الله أن تضيع عليهم مكانة مسروقة([3])"، فإن الذي عابوه على الموحدين "بَادِيَ الرَّأْيِ" من أنهم استجابوا لنوح من غير طول نظر ولا روية، هو والله ما استحقوا عليه المدح، (فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى رويّة ولا فكر ولا نظر، بل يجب على أتباعه الانقياد له متى ظهر، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مادحاً للصِدّيق: "ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلاّ كانت له كبوة غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم")([4]).

 

الداعية لا يهادن .. ولا يُسْلم الذين آمنوا

ويرد عليهم بكل أدب وصراحة وثقة: يَا قَوْمِ "في سماحة ومودة بندائهم ونسبتهم إليه ونسبة نفسه إليهم، إنكم تعترضون فتقولون ما نراك إلا بشراً مثلنا، فما يكون رأيكم إن كنت على اتصال بربي بَيِّن في نفسي، مستيقن في شعوري، وهي خاصية لم توهبوها؟ وإن كان الله آتاني رحمة من عنده باختياري للرسالة أو آتاني من الخصائص ما أستحق به حمل الرسالة وهذه رحمة ولا شك عظيمة، مارأيكم إن كانت هذه وتلك فخفيت عليكم خفاء عماية لأنكم غير متهيئين لإدراكها وغير مفتوحي البصائر لرؤيتها، أَنُلْزِمُكُمُوهَا؟! إنه ما كان لي وما أنا بمستطيع أن ألزمكم الإذعان لها والإيمان بها وأنتم لها كارهون، وهكذا يتلطف نوح في توجيه أنظارهم ولمس وجدانهم وإثارة أحاسيسهم لإدراك القيم الخفية عليهم، والخصائص التي يغفلون عنها في أمر الرسالة والاختيار لها ويبصرهم بأن الأمر ليس موكولاً إلى الظواهر"([5]) أما عن الذين آمنوا: فما أنا بالذي يطرد أحباب الله، الذين نقوّا أنفسهم وقلوبهم من درن الكفر والمعصية، وأبصرت أعينهم نور الهداية الذي عجزتم عن إدراكه: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ * وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (هود:28-33).

المواجهة الحتمية

وبدأت الآن المواجهة بين نوح وقومه وبدأ التحدي: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) (يونس:71) تحداهم أن يواجهوه أو يقتلوه، لكن قومه ما أرادوا قتله، قالوا اتركوه فهو سفيه أو مجنون.

 

وصل الأمر أن توقف دخول الناس في الإيمان، فمرت مئات السنين ولم يؤمن أحد، وكل جيل يأتي هو أفجر من الجيل الذي قبله، ونوح يدعو ويجتهد في البيان والتبليغ ولا أحد يؤمن إلا من آمن من قبل، وعندها جاء الوحي من الله سبحانه وتعالى بأمرٍ عظيم: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (هود:36)  قضي الأمر، فهذا أمر الله أنه لن يؤمن أحد من قومك غير الذين آمنوا من قبل هذا الأمر الإلهي.

 

لم ييأس نوح عليه السلام طوال تسعمائة وخمسين (950) سنة إلى أن جاء الوحي من الله عندها يئس منهم، يأس وحياً ولم ييأس ضعفاً؛ عندها دعا عليهم : (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً) (نوح:26-28) خاف نوح على المؤمنين أن يضلهم أو يفتنهم هؤلاء الكافرين: (قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:117-118) ولجأ إلى ربه جل جلاله صاحب الرسالة والأمر: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) (القمر:9-10).

بوحي من الله يصنع السفينة

فجاء الوحي ببناء الفلك، والفلك هي السفينة العظيمة: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (المؤمنون:27).

كان جبريل ينزل يعلمه كيف يصنع السفينة، فنوح ليس نجاراً أو صانع سفن، هو يعيش في الجبال، في رواية أنه بناها في مائة سنة، ولم يكن عنده الشجر اللازم لصناعة السفينة، فكان يزرع الشجر ثم يعالجه ليصلح لصناعة السفينة، ولم يكن قربه بحر أو نهر، بناها على جبل، واستخدم المسامير الحديدية كذلك (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ([6])) (القمر:13).

 

الناس استغربوا من نوح أنه توقف عن دعوتهم وبدأ يبني سفينة، فبدأوا يسخرون منه ويقولون فيما يقولون: يا نوح صرت نجاراً بعد أن كنت نبياً؟!!، يا نوح سفينة على جبل؟!!، والسخرية ذكرت في القرآن: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) (هود:38-39) ونوح يرد عليهم بوعيد الله لهم في المآل، وبسوء العاقبة.

وأما وصف السفينة فقيل: طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وكانت ثلاث طبقات، كل واحدة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور، ولها غطاء من فوقها أي مسقوفة، لها ثلاثة أبواب بعضها أسفل بعض.

ولعل الآثار التي وجدها باحثون وعلماء هي آثار تلك السفينة، ففي الفترة من 1959م – 1977م اكتشف فريق من العلماء آثار هيكل سفينة على جبل في تركيا وقد انقسمت إلى نصفين، فهي سفينة كما وصفت سابقاً، فقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه سيتركها آية وعبرة للناس: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:15).

الطوفان يغمر الأرض

وقد أعطى الله سبحانه وتعالى علامة لنوح عليه السلام إذا رآها أن يحمل من كل نوع من أنواع المخلوقات الحية زوجاً، ذكر وأنثى، وأن يحمل من آمن من البشر وأهله معه: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (هود:40) والتنور هو إما فرن الخبز أو الطبخ، أو هو وجه الأرض أي إذا نبعت المياه من وجه الأرض.

وفي يوم من الأيام رأى نوح العلامة فتوجه فوراً إلى السفينة، وإذ بحيوانات الأرض وطيورها مصطفّة حول السفينة تنتظر الإذن بالركوب مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، أتى بها الله سبحانه وتعالى من أنحاء الأرض، فركب نوح وبدأ يحمل هذه الحيوانات والطيور ويوزعها في السفينة: (الطبقة السفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور) فلما ركبوا في السفينة جاء الأمر بفتح السماء والأرض: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) (القمر:11-12) فكل شيئ محسوب ومقدّر.

 

وبدأ الغرق في الناس والدواب التي لم تحمل في السفينة: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على نوح في العالمين * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) (الصافات:75-82) وقد طغى الماء على كل شئ: (إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) (الحاقة:11-12) فكان الموج كالجبال العاتية: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ) (هود:من الآية42).

 

ركب نوح فلما بدأ الماء يحمل السفينة قال نوح: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْريهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (هود:41) وأمره الله سبحانه وتعالى أن يحمده أن أنجاه من الكفر والغرق: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) (المؤمنون:28-29) ومكثوا زمناً وهم على ظهر السفينة وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ، وفي رواية ابن عباس أنهم مكثوا في السفينة ستة أشهر، وفي روايات كثيرة أنهم نزلوا منها في يوم عاشوراء (10 محرم)، وروي أنهم صاموا ذلك اليوم تقرباً لله.

نبيٌ رسول .. زوجة وولد في الضلال

وعد الله نوح أنه سينجّيه وأهله، وفعلاً كل أهل نوح كانوا معه إلا ابنه الكافر "يام" ويسميه أهل الكتاب كنعان، حتى زوجة نوح المؤمنة كانت معه أما زوجته الكافرة قد ماتت، التي ذكرها الله في القرآن: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا([7]) فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (التحريم:10) فالتي في السفينة هي المؤمنة، أبدله الله خيراً من تلك الكافرة.

كل أبنائه المؤمنين كانوا معه في السفينة إلاّ ابنه الضال: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود:42-43) لكن نوح لديه وعد من الله أنه سينجّي أهله وهذا ابنه يغرق؟! (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود:45-46) انقطع النسب بالكفر، وعلاقة المؤمن بالمؤمن أكبر من علاقة الكافر بأخيه الكافر، كما نلاحظ هنا أن الله تعالى ما قال: (عمل عملاً غير صالح) لأن ابنه الضال من الكفر والفجور أصبح مثالاً للعمل غير الصالح فقال تعالى: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) وسرعان ما تاب نوح وأناب إلى ربه ومولاه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (هود:47)  ونوح ما عصى الله أبداً إلا أنه سأل الله في أمر ابنه وما كان ينبغي له.

 

انتهاء الطوفان

انتهى الطوفان بأمر من الله سبحانه وتعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود:44) وما رست في وادي بل استوت على جبل، و(قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (هود:48) أمة البشر وأمة الأسود وأمم أخرى.. وأمم سنمتعهم في الدنيا ثم سيكفرون فيستحقوا العذاب الأليم.

 

في بعض الروايات أنّ نوح عليه السلام طوال فترة الطوفان الستة أشهر كان ينتظر أن يذهب الطوفان فكان يرسل الحمامة، تذهب وترجع وليس معها شيئ، وفي يوم من الأيام أرسلها فرجعت بغصن من الزيتون فعرف أن الماء قد انخفض، ثم أرسلها ثانية فرجعت وفي قدميها آثار الطين فعرف أنه قد انتهى الطوفان وظهرت اليابسة، ومن هنا نقول حمامة السلام وغصن الزيتون وهذا وارد في تراثنا الاسلامي.

ونزل نوح من السفينة وليس من بني آدم حيّ إلاّ الذين معه وكل البشر في كل الأرض غرقوا، حيث لم يكن الانسان يعيش في ذلك الوقت إلاّ في هذه المنطقة، منطقة فلسطين والجزيرة العربية وما حولها، ثم ان الله سبحانه وتعالى جعل القوم الذين مع نوح كلهم عقيمون لا يولد لهم أحد ثم ماتوا وانتهوا، ولم يولد الاّ لنوح وزوجته، ولم يبق على الأرض الى اليوم إلاّ ذرية نوح، ولذلك يسمى نوح آدم الثاني ويسمى أبو البشر الثاني وهذا مذكور في القرآن (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) (الصافات:75-77) وقال تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) (الاسراء:3).

 

وقد كان لنوح ثلاثة أولاد: سام وحام ويافث، جاء ذلك في الحديث عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "سَامٌ أَبُو الْعَرَبِ وَحَامٌ أَبُو الْحَبَشِ وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ"([8]) في أولاد سام بياض وقليل من السواد وانحدر منهم العرب وكذلك بنو إسرائيل، وفي أولاد حام سواد وشيئ من بياض وانحدر منهم الأفارقة، وأولاد يافث فيهم الشقرة والحمرة وانحدر منهم الأتراك وأهل شرق آسيا وأوروبا.

وعنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ "وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ" قَالَ: "حَامٌ وَسَامٌ وَيَافِثُ"([9]) قَالَ أَبُو عِيسَى يُقَالُ يَافِتُ وَيَافِثُ بِالتَّاءِ وَالثَّاءِ وَيُقَالُ يَفِثُ".

وكان عليه السلام قد صام الدهر إلا يومين فقط في السنة وفي حديث ابن ماجه عَنْ أَبِي فِرَاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "صَامَ نُوحٌ الدَّهْرَ إِلَّا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى".

ذكر وصيته لولده

وهي وصية ذكر فيها عظيم قدر  كلمة التوحيد لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وصية رواها الإمام أحمد في مسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ عَلَيْهِ جُبَّةٌ سِيجَانٍ مَزْرُورَةٌ بِالدِّيبَاجِ([10])، فَقَالَ أَلَا إِنَّ صَاحِبَكُمْ([11]) هَذَا قَدْ وَضَعَ كُلَّ فَارِسٍ ابْنِ فَارِسٍ، قَالَ: يُرِيدُ أَنْ يَضَعَ كُلَّ فَارِسٍ ابْنِ فَارِسٍ وَيَرْفَعَ كُلَّ رَاعٍ ابْنِ رَاعٍ. قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَجَامِعِ جُبَّتِهِ وَقَالَ: أَلَا أَرَى عَلَيْكَ لِبَاسَ مَنْ لَا يَعْقِلُ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نُوحًا صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ.

 

قَالَ: قُلْتُ أَوْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذَا الشِّرْكُ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الْكِبْرُ؟ قَالَ: أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِنَا نَعْلَانِ حَسَنَتَانِ لَهُمَا شِرَاكَانِ حَسَنَانِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِنَا حُلَّةٌ يَلْبَسُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: الْكِبْرُ هُوَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِنَا دَابَّةٌ يَرْكَبُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِنَا أَصْحَابٌ يَجْلِسُونَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَمَا الْكِبْرُ؟ قَالَ: سَفَهُ الْحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ([12]).

وفاته عليه السلام

وقد عاش نوح عليه السلام بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين (350) سنة قضاها في عبادة الله وتعبيد ذريته لله كما وصفه الله: (إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) (الاسراء:من الآية3)، ومكث عليه السلام يدعو قومه 950 سنة: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) (العنكبوت:14).

 

لكن هذا ليس عمره حيث يقول ابن كثير: "القرآن يقتضي أن نوحاً مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، فأخذهم الطوفان وهم ظالمون، ثم الله أعلم كم عاش بعد ذلك .. فإن كان ما ذكر محفوظاً عن ابن عباس، من أنه بعث وله أربعمائة وثمانون سنة، وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة".

 

ومات عليه السلام ودفن –على الأرجح- في المسجد الحرام بمكة، وقيل في شرق البقاع بالشام في منطقة تعرف بكرك نوح.



([1]) ابن كثير.

([2]) كبار القوم والسادة.

([3]) في ظلال القرآن.

([4]) ابن كثير.

([5]) في ظلال القرآن.

([6]) جمع دسار، وهو المسمار من الحديد المعروف اليوم.

([7]) الخيانة هنا لا تعني الزنا فقد قال القرطبي في تفسيره للآية: "قال الضحاك عن عائشة رضي الله عنها: إن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن اسم امرأة نوح واغلة واسم امرأة لوط والهة. (فخانتاهما) قال عكرمة والضحاك. بالكفر. وقال سليمان بن رقية والضحاك: بالكفر. وقال سليمان بن رقية عن ابن عباس: كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون. وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه. وعنه: ما بغت امرأه نبي قط. وهذا إجماع من المفسرين فيما ذكر القشيري. إنما كانت خيانتهما في الدين وكانتا مشركتين. وقيل: كانتا منافقتين".

([8]) رواه الترمذي.

([9]) رواه الترمذي وقال حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

([10]) سيجان: حديد، مزروة: مبطنة، الديباج: الحرير الغليظ، أي يلبس جبة من الحديد مبطنة بالحرير الغليظ.

([11]) يقصد بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم.

([12])سفه الحق: الجهل به وعدم معرفته، غمص الناس: احتقارهم والتعالي عليهم.

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

2 thoughts on “قصة نوح عليه السلام

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s