قصة صالح عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

صالح بن عبيد بن ماسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، وقد ذكرت قصة صالح مع قومه ثمود في القرآن الكريم أكثر من ستة وعشرين مرة.

 وهو نبي عربي كما جاء في الحديث الذي ذكرناه في قصة هود عليه السلام: "وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر"، ويقول ابن كثير عن قوم عاد وثمود: "إن هاتين الأمتين لا يعرف خبرهما أهل الكتاب، وليس لهما ذكر في كتابهم التوراة".

كانت قبيلة ثمود تسكن اليمن ثم انتقلت إلى شمال الجزيرة العربية وسكنت في مدائن صالح، وهي منطقة تبعد 380كم شمال غرب المدينة المنوّرة وتسمى الْحِجْرِ، وهو اسم كريم لسورة في القرآن الكريم، فسورة هود وسورة الحجر وسورة الأحقاف كلها تتكلم عن هذه القصص، يقول تعالى: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) (الحجر:80) أصحاب الحجر هم ثمود -قوم صالح- وهم قوم أقوياء أشداء توارثوا ذلك من أجدادهم قوم عاد، حيث كانوا يقطعون الصخر ويصنعون منه البيوت: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (الفجر:9) ومساكنهم لا زالت موجودة شاهدة على قوتهم وجبروتهم: (وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ) (العنكبوت:من الآية38).

وقد أنعم الله عليهم نعماً عظيمة من بعد عاد لكي يتعظوا ويعتبروا ممن سبقهم -لمّا جحدوا نعمة ربهم وعصوا رسوله عليه السلام: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (الأعراف:74) وعدّد الله لهم نعمه على لسان صالح عليه السلام: (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ([1]) * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) (الشعراء:146150) وكما كان لعاد: سهول فيها البيوت، جبال فيها القصور، جنّات، نعيم، عيون، نخيل، جدّد الله لهم التجربة وأعطاهم الفرصة لعلهم يتعظون مما حدث لعاد، لكنهم كفروا بالله رغم كل هذا وما اعتبروا وما تعلموا الدرس وعبدوا الأصنام.

فبعث الله تعالى من بينهم أخاهم صالحاً عليه السلام، وكان حكيماً، عاقلاً عالماً قبل النبوة وكانوا يرجعون إليه في مشورتهم وهو من أسرة كريمة شريفة بينهم، فكانوا يتأملون أن يكون له شأن بينهم، فلما طالبهم بالإيمان وبعبادة الله الواحد الأحد رفضوا و(قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّا([2]) قَبْلَ هَذَا) (هود:من الآية62).

فبدأ معهم مشوار الدعوة الشاق، دعوة إلى شكر نعمة المنعم، ربهم ورب آبائهم الأولين: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (هود:61) ودعاهم بدعوة كل الأنبياء من قبل: "اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ" وقال لهم: (قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النمل:46) وقال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء:150152).

لكنهم أبوا ورفضوا كما رفضت عاد واستهجنوا أن يكون مرسلاً من بينهم رغم ما كانوا يقولون عنه "قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً" فقالوا: (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) (القمر:25) ورموه بتهمة السحر: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) (الشعراء:153) ثم بدؤا يضيّقون على المؤمنين الذين آمنوا بصالح، فقالوا هل آمنتم بصالح قالوا: نعم، قالوا: كل شيء تؤمنون به سنكفر به: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) (الأعراف:76) واستمر صالح عليه السلام يدعوهم ويدعوهم، حتى وصل بهم الأمر إلى التشاؤم به وبمن آمن: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) (النمل:47) فوصل الأمر إلى العداء الكامل، ووصل الأمر إلى أنهم يرفضون أن يجلسوا معه تشاؤماً به ومن تبعه.

فلما وصل الأمر إلى ذلك حذرهم وأنذرهم: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) (هود:63) افترضوا أني كنت على الحق والله سبحانه وتعالى آتاني النبوة رحمة منه، وأنتم تأمروني بالمعصية، ولو عصيت الله سأخسر وأنتم ستخسرون.

طلب إخراج الناقة

ثم طلبوا معجزة محددة: (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الشعراء:154) "وقد ذكر المفسرون أن أن ثموداً اجتمعوا يوماً في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله، وذكّرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة –أشاروا إلى صخرة هناك- ناقة([3])، من صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافاً سمّوها ونعتوها وتعنّتوا فيها، وأن تكون عشراء طويلة، من صفتها كذا وكذا، فقال لهم النبي صالح عليه السلام: أرأيتم إن أُجبتم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني بما أرسلت به؟ قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثم قام إلى مصلاه فصلى لله ما قدّر له، ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه المطلوب الذي طلبوا أو على الصفة التي نعتوا.

فلما عاينوها كذلك رأوا أمراً عظيماً ومنظراً هائلاً وقدرة باهرة، ودليلاً قاطعاً، وبرهاناً ساطعاً، فآمن كثير منهم واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم ولذلك قال: (فَظَلَمُوا بِهَا)"([4]) وممن أسلم كبير من القوم يدعى جندع بن عمرو، لكن كبراؤهم الآخرون أصروا واستكبروا استكباراً: (وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) (الحجر:81).

هذه ناقة الله

يقول الله سبحانه وتعالى على لسان صالح: (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ) (هود:64) فهي ليست مولودة من النوق وإنما مخلوقة خلقاً (نَاقَةُ اللَّهِ) خلقها الله تعالى بلا أبوين، نسبها إليه تشريفاً لها، وحدد لهم الشروط: (قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الشعراء:155156) أنتم تشربون من البئر يوم وهي تشرب يوم، ثم أي مكروه يصيب الناقة سيصيبكم العذاب: (إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) (القمر:2728) احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء أو تمنعوها من الشرب: (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) (الشمس:13).

ويقول الله تعالى عن وصف الناقة: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً) (الإسراء:من الآية59) لا أحد يستطيع أن يقول أنهم مسحورون، بل كانت هذه الناقة تمشي بينهم، وعاشت بينهم زمناً، وتشرب يوم وهم يشربون يوم ويأخذون ما يحتاجون له من الماء لليوم التالي، يحلبونها فيكفيهم لبنها وولدت أمام أعينهم، وجاء ولدها فصيلها ( أي على شكلها تماماً) فتعجبوا، وكان يسير وراءها أينما ذهبت، فكانت آية واضحة مبصرة ليست لحظات سحر وتنتهي، فكانت نعمة لو آمنوا، لكنهم كفروا.

التآمر على قتل الناقة

فلما طال عليهم هذا الحال اجتمع الملأ وتشاوروا في الأمر، قالوا نخشى أن يتركنا الناس ويتبعوا صالح، وهذه الناقة آذتنا فيوم كامل لا نمس الماء!! لابد أن ننتظرها حتى تشرب!! ثم هذه الناقة من ضخامتها تفر منها الأغنام والإبل، يخافون منها .. فلنتخلص منها، فاختاروا رجلاً منهم ذكره المؤرخون هو: (قدار بن سالف بن جندع) فنادوا قدار واتفقوا معه على قتل الناقة، إذاً ليس قدار وحده هو الذي فعلها بل الأمر تم باتفاقهم ولذا نسبه إليهم: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ([5]) * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) (القمر:2930).

فتحرك قدار في الأمر، وجاء بصاحب له آخر اسمه (مصرع بن مهرج) ثم كان له هو وصاحبه مجلس خمر وفساد مع مجموعة من أصحابهم، كانوا تسعة يجتمعون على الفساد، فتشاور قدار مع هؤلاء على قتل الناقة فاتفقوا جميعاً على أن يعاونوه، ثم اجتمعوا مع الناس يشاورونهم على ألا يقولوا أنهم فعلوا ذلك وحدهم، فكل الناس أيّدوهم ووفروا لهم الحماية: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (النمل:48) شباب في منتهى الفساد، ليس فيهم خير، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يَذْكُرُ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَهَا فَقَالَ: "(إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَارِمٌ([6]) عَزِيزٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ"([7]).

فانطلق التسعة يرصدون الناقة بعد أن تعاطوا المسكرات إمعاناً في المعصية وتغييباً للعقل والإدراك، وكانت الناقة في كل يوم تنزل عليهم من الجبل فتشرب وترجع إلى الجبل في المكان الذي كانت فيه الصخرة، فكمنوا لها في الطريق، فلما وصلت رماها (مصرع) بسهم، فصفق النسوة فرحاً وتشجيعاً على القتل، فتقدم أشقى الناس (قدار) إليها فضربها على رجلها فعقرها، فَرَغَتْ رغاة([8]) واحدة: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ).

ولمّا عقروها هرب فصيلها الصغير إلى الصخرة، فتبعوه فأحاطوا به فرغا ثلاثاً بصوت عال، فقتلوه، فالكل شارك في هذه الجريمة: (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا) (الشمس:1415).

صالح يتوعّدهم

فلما جاء الخبر لصالح عليه السلام أسرع فإذا بالناقة مذبوحة وفصيلها مذبوح والناس مجتمعون: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الأعراف:77) فلما فعلوا ذلك وطلبوا العذاب: (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) (هود:65) ثلاثة أيام فقط وكلكم تهلكون.

فاجتمع الناس وبدأوا يتشاورون في أمر صالح وهذا الإنذار الذي أعطاهم إياه، فقالوا نقتل صالح مع الناقة: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) (النمل:4849).

 

إذاً بعدما قتلوا الناقة تآمروا على قتل صالح، وفعلاً استعدوا لقتل صالح وجهّزوا هؤلاء التسعة ومعهم من يساعدهم، وتوجهوا إلى بيت صالح ليدمّروه ويقتلوه هو ومن معه: (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) (النمل:5051) فبدأ التدمير بهؤلاء التسعة الذين يريدون قتل صالح عليه السلام ثم بدأ العذاب يطال الآخرين: (أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) وفي الليلة التي دمّر الله سبحانه وتعالى بها هؤلاء التسعة، فرّ صالح عليه السلام ومن معه خارج الحجر.

فأصبحوا في دارهم جاثمين

وأصبح الناس وإذا بمشهد عجيب: في اليوم الأول من أيام الإنذار، كل قوم صالح وجوههم صفراء، فجعلوا يبكوا بكاءً شديداً، وفي اليوم التالي انقلبت الوجوه فاذا هي حمراء، في اليوم الثالث أصبحوا ووجوههم سوداء، فأخذوا يبكون ويولولون ويصيحون، عرفوا أن الأمر حان وأنه لا مفرّ منه، فجعلوا يحفرون القبور.

 

وجاء العذاب، ليس عذاب واحد، كما حدث لعاد ريح أو لقوم نوح الطوفان بل أصناف من العذاب، لأنهم جاءتهم آية على شروطهم وكفروا بها، أول ما بدأ الأمر بدأ بالرجفة، بدأت الأرض تهتز فسقطوا على أرجلهم ما استطاعوا أن يقفوا، وجثموا، ثم بدأت الصواعق تنزل عليهم ثم ختم الأمر بصيحة، أهلكتهم أجمعين: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ([9])) (الأعراف:78) سقطوا ما استطاعوا أن يقفوا، يقول تعالى: (وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ) (الذريات:4345) ويقول تعالى: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) (هود:6768) دمّرهم الله سبحانه وتعالى وفتتهم حتى أصبحوا كالقش المهمل تدوسه الدواب بأقدامها: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) (القمر:31).

ونجّى الله سبحانه صالح ومن آمن معه: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (هود:66) وبقيت آثارهم إلى اليوم، فمن يمر في شمال غرب المدينة المنورة يرى مساكنهم إلى اليوم في مدائن صالح: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (النمل:52) ترك الله مساكنهم إلى اليوم ليراها الناس وليعتبروا بها.

وهاجر صالح من ذلك المكان وهو يخاطب قومه بعد إهلاكهم: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) (الأعراف:79) هاجر ومن معه إلى فلسطين، الأرض المباركة، وسكن في مدينة الرّملة ومات هناك عليه السلام.

وهكذا خاطب النبي صلى الله عليه السلام أهل قليب بدر بعد ثلاث ليالٍ، وقف عليهم وقد ركب راحلته، وأمر بالرحيل من آخر الليل، وخاطبهم كما في رواية البخاري: عن ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ فَقَالَ: وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟، فَقِيلَ: لَهُ تَدْعُو أَمْوَاتًا؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ.

مرور النبي بوادي الحِجْر في غزوة تبوك  

في مسند الإمام أحمد: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ عَامَ تَبُوكَ نَزَلَ بِهِمْ الْحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ، فَاسْتَسْقَى النَّاسُ مِنْ الْآبَارِ الَّتِي كَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا ثَمُودُ فَعَجَنُوا مِنْهَا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ بِاللَّحْمِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَرَاقُوا الْقُدُورَ وَعَلَفُوا الْعَجِينَ الْإِبِلَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ عَلَى الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهَا النَّاقَةُ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبُوا قَالَ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ).

 

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه البخاري: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ" فلا يذهب أحد إلى مدائن صالح ليتفرج عليها كما يتفرج على آثار رومانية أو غيرها، فهي ليست سياحة، وإن لم تتذكر قدرة الله عز وجل وجبروته الذي تبدّى في هؤلاء فتبكي فلا تدخل تلك الأماكن.


([1]) هضيم: لطيف لين سهل الهضم.

([2]) وكذا قال مشركوا قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (الزخرف:31): مكة: الوليد بن المغيرة، الطائف: عروة بن مسعود الثقفي.

([3]) حامل في شهرها العاشر على وشك الولادة.

([4]) ابن كثير.

([5]) العقر: ضرب قوائم البعير بالسيف كي لا يفر.

([6]) عارم: شرس مفسد، رهطه: عشيرته وقومه.

([7]) رواه الترمذي وقال: حسنٌ صحيح.

([8]) الرغاء: صوت البعير.

([9]) جاثمين: باركين على ركبهم.

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

One thought on “قصة صالح عليه السلام

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s