قصة إبراهيم عليه السلام وتشمل قصة إسماعيل وإسحاق عليهما السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

إبراهيم بن تارخ (آزر)([1])، ولد في بابل بالعراق، تزوج سارّة ابنة عمه هاران، وكانت من أجمل نساء العالمين([2])، ولوط هو ابن أخيه(هاران)([3]).

جاء في وصفه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ وَأَمَّا مُوسَى فَإِنَّهُ جَسِيمٌ" قَالُوا لَهُ: فَإِبْرَاهِيمُ قَالَ: "انْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ"([4]) يَعْنِي نَفْسَهُ.

وهو من أولي العزم من الرسل وهو أبو الأنبياء، من سلالة سام ابن نوح عليه السلام، ولم يكن عليه السلام قد عبد صنماً أو عظّم وثناً: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) (الأنبياء:51).

كان يعيش في شمال العراق في بابل -المدينة المعروفة إلى اليوم- وكانت مدينة ذات حضارة عظيمة، وقد انتشرت فيها عبادة الأصنام: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (العنكبوت:من الآية25) وكانوا لا يعبدون الله إلا ويشركوا به الأصنام: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ؟ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ؟ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (الشعراء:70) إذاً أمر توارثوه، وقلّدوا آباءهم وعطلوا عقولهم به؛ فهذه أصنامُ لا تسمع ولا تضر ولاتنفع، لا يمكن أن تكون آلهةً تُعبد.

دعوته لأبيه

وأخذ يدعو قومه، فبدأ بأبيه حيث "دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة، وبين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه فكيف تغني عنه شيئاً أو تفعل به خيراً من رزق أو نصر؟"([5]) (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا * يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) (سورة مريم:41-45) دعوة تخاطب العقل بكل تأدب وحرص من الابن للوالد رغم كفره وشركه بالله، لكن الشرك كان قد فعل فعله في الوالد، فما أدرك هذا الأدب بل تهدده وتوعده: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) (سورة مريم:46).

لكن سيدنا إبراهيم برفقه وحنانه على أبيه: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا([6])* وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (سورة مريم:47-48) وعده أن يستغفر له، لكنه فيما بعد لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة:114) وبهذا لا يجوز أن يستغفر المؤمن للكافر مهما بلغت القرابة، ويوم القيامة يحاول إبراهيم عليه السلام مرة أخرى فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ([7]) وَغَبَرَةٌ فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ"([8]) وفي توضيح معنى "الذِيخٍ" يقول ابن كثير في تفسيره: هو الذكر من الضّباع، فكأنه حوّل آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته، فيلقى في النار كذلك.

تكسير الأصنام

واعتزلهم عليه السلام وكان نبياً وهو لا يزال شاباً صغيراً لديه 16سنة، فعزم أن يقضي على أصل الشر وهي هذه الأصنام وهدد بتكسيرها: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) (الأنبياء:57) هذه القولة لم يقلها في السرّ وإنما أعلنها: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) (الأنبياء:60) إذاً قالها علناً وتحدّاهم بها، وفعلاً كان ينتظر يوماً لا يكون فيه عند الأصنام أحد من القوم، فقد كانت عادة الناس أنهم يقرّبون لها الطعام؛ يتركونه فترة ثم يأتون ليأخذوه بعد أن تكون قد باركته الآلهة بزعمهم.

حتى جاءت فرصة سانحة في يوم عيد يخرجون فيه إلى خارج المدينة، يلعبون ويمرحون ويأكلون، وكانوا في هذا العيد يتركون الطعام عند الآلهة حتى يأتي آخر النهار فيأخذوا الطعام المبارك ليأكلوه، فلما استعد الناس في الصباح ليخرجوا يوم العيد، كان إبراهيم عليه السلام جالساً لا يريد أن يخرج فقالوا ما بك غير خارج؟ فقال مُعَرِّضاً بالقول: أنا نظرت في النجوم فوجدت أني سأكون مريضاً: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) (الصافات:88-90)

وفي موضع آخر: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) (سورة الأنبياء:52-58) ذهب إلى آلهتهم وقال لها على سبيل التهكم والازدراء: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) (الصافات:91-93)، كسّرهم إلى فتات، وترك كبير الأصنام لم يكسره وعلق على عنق هذا الكبير المِعْول "آلة التكسير"، لعلهم يقولون: أن كبيرهم غار من الصغار أن يُعبدوا معه (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ) (الصافات:94) (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء:59) بعض الناس الذين سمعوا إبراهيم يهدد من قبل: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) (الأنبياء:60-61) فأُحضر إبراهيم عليه السلام وأعلن عن وقت المحاكمة واجتمع الناس كلهم، كل أهل بابل، "وكان هذا أكبر مقاصد الخليل إبراهيم أن يجتمع الناس كلهم، فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه كما قال موسى عليه السلام لفرعون (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) (طه:59)"([9]).

محاكمة صورية .. إلقاؤه في النار

وبدأت المحاكمة: (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) (الأنبياء:62-63) هذا الكبير الذي بيده المعول هو الذي كسرهم اسألوه فهو إلهكم (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء:64-67) دار الحوار بينهم وتناجوا بالحديث والتساؤلات: كيف يمكن أن تكسر الآلهة؟ وكيف لكبير الآلهة ألاّ ينطق؟ ثم هذا فعلاً بيده الفأس لِمَ لا يكون هو من كسرهم؟ لكنهم ما آمنوا بل قالوا إنكم أنتم الظالمون، أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها، انقلبوا بعد أن رأوا الآيات البينة والمنطق السليم الواضح، أوقفوا عمل العقول وكأن عقولهم ورؤوسهم مكان أقدامهم كالواقف بالمقلوب: "ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ" فالأمر بيّن واضح: أنتم صنعتم هذه الآلهة أتعبدونها!، والله خلقكم وما تعبدون!؟.

فأصدروا الحكم الظالم: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) (الأنبياء:68) و(قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) (الصافات:97) بدأ الناس يأتون بالأخشاب، النساء والأطفال وكل الناس، ومن ظلمهم وفجورهم "حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت أن تحمل حطباً لحريق إبراهيم"([10]) فصارت الأخشاب كالبنيان العظيم ثم أشعلوا النار وجاءوا بالمنجنيق([11])، فوضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة المنجنيق، في هذه الأثناء كان دعاء إبراهيم عليه السلام وهو دعاء المحتاج دعاء المظلوم دعاء المضطر: حسبنا الله ونعم الوكيل فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"([12]) أي يكفينا الله ولا نحتاج إلى غيره، نتوكل عليه ولا نتوكل على غيره.

وذكر بعض السلف أن جبريل عليه السلام عرض له في الهواء فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا!، ويروي ابن كثير عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال: جعل ملك المطر يقول: متى أومر فأرسل المطر؟ فكان أمر الله أسرع: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء:69) ويقول ابن عباس: "لولا أن الله قال وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ لآذى إبراهيم بردها" النار لا تحرق إلا بأمر الله، السكين لا تقطع إلا بأمر الله، فهذه المخلوقات ليس فيها قدرة بذاتها وإنما قدرتها من عند الله، هو الذي يعطيها القدرة وهو الذي ينـزعها منها، وسقط إبراهيم في النار فما اشتعلت ثيابه وما احترق منه إلاّ الحبل الذي كان مربوطاً به ولم يمس يده شيء، فسبحان القادر عز وجل.

وذكرت الروايات حتى حال الدواب من النار، فكل دابة كانت تؤازر إبراهيم في محنته وتخفف عنه: "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ" إلا نوع من الزواحف يسمى الوزغ وهو نوع من الزواحف أشبه بالسحلية فعن سَائِبَةُ مَوْلَاةٌ لِلْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَرَأَيْتُ فِي بَيْتِهَا رُمْحًا مَوْضُوعًا قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَصْنَعُونَ بِهَذَا الرُّمْحِ؟ قَالَتْ: "هَذَا لِهَذِهِ الْأَوْزَاغِ نَقْتُلُهُنَّ بِهِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ لَمْ تَكُنْ فِي الْأَرْضِ دَابَّةٌ إِلَّا تُطْفِئُ النَّارَ عَنْهُ غَيْرَ الْوَزَغِ كَانَ يَنْفُخُ عَلَيْهِ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِ"([13]) وعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَقَالَ: "كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام"([14]).

وظل الناس ينتظرون حتى تخمد النار، فإذا بإبراهيم عليه السلام وسط النار متنعّم، جاءت الروايات أنه يقول عليه السلام: "ما كانت أياماً وليالي أطيب عيشاً إذ كنت فيها، وودت أن أعيش وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها"([15]) أرادوا أن ينتصروا فخُذلوا وأرادوا أن يرتفعوا فاتّضعوا، أرادوا أن يغْلبوا فغُلبوا.

يحدث كل هذا والناس مشدوهة فهو في وسط النار يتنعم ولا يحترق منه شئ، وقيل أنه مكث على ذلك إما أربعين أو خمسين يوماً، ونقل ابن كثير من حديث أبي هريرة أنه قال: أفضل كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال: نعم الرب ربك يا إبراهيم!.

أي آية وأي معجزة أمام أعينهم تحدث!، ثم يخرج إبراهيم عليه السلام من بين النار سليماً ليس به سوء ومع ذلك لم يؤمن بإبراهيم عليه السلام إلا لوط فقط: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) (العنكبوت:من الآية26) أما زوجته سارة كانت مؤمنة به ولم يكن قد تزوجها بعد، عندها يأس منهم، فماذا يريدون أكثر من ذلك؛ الأصنام تكسرت، والمعجزة رأوها أمام أعينهم ولم يؤمنوا، فعزم على الهجرة.

قصته مع النمرود

سمع بالخبر ملك ذلك الزمان، وهو "النمرود" الذي كان يحكم معظم الأرض، وصلته الأخبار عن هذا الذي ألقي في النار ولم يحرق فقال: ائتوني به، فجئ به إلى النمرود فدار بينه وبين إبراهيم عليه السلام حواراً: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:258)

فأمر النمرود فجئ إليه برجلين من السجن كان قد حكم عليهما بالموت قال: هذان قد حكمت عليهما بالموت اقتلوا هذا وأطلقوا هذا، فأنا أحي وأميت، بأوامري يحيا الناس ويموتون، لكن إبراهيم عليه السلام يقصد أصل الإحياء وأصل الموت ليس هذا.

لكن الإنسان الذي يعاند –أحياناً- أن تأتيه بحجة أقوى هو أفضل من أن تناقشه في نفس الحجّة، فالدّاعية لا يعدم الحجة والدليل، فقال له إبراهيم عليه السلام: "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ" ما استطاع أن يرد فاستسلم، وما أراد أن يتعرّض لإبراهيم عليه السلام لمعرفته بما حدث له من قصة النار، فعلم أنه معصوم فقال اخرج من عندنا واترك ديارنا خوفاً من أن يتأثر الناس بدعوته ودينه، وقد عذب الله النمرود بأن أدخل الذبابة في أنفه فكان يضرب رأسه بالمرازب والمطارق الكبيرة ليخف عنه الألم، وقد حكم في الأرض أربعمائة (400) عام، وقيل أنه "حكم الدنيا أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان، والكافران: النمرود وبختنصر"([16])، والدنيا هنا معظم الأرض؛ فَمنْ يمتدّ حكمه وسلطانه إلى مشرق الأرض ومغربها؛ فكأنما حكمها جميعاً.

خروجه إلى الشام

فخرج إبراهيم عليه السلام من العراق وهاجر هو ولوط عليهما السلام إلى الشام إلى أطراف فلسطين: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:71) ووصل إلى منطقة حرّان: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (العنكبوت:26) وعاش فيها فصارت بلده.

بدأ يدعو الناس في حرّان إلى التوحيد وقد كانوا يعبدون النجوم، ما كانوا يعبدون الأصنام، فأراد إبراهيم عليه السلام أن يريهم أن عبادة هذه النجوم باطلة، فخرج معهم في يوم من الأيام وأراه الله عظيم مخلوقاته: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (الأنعام:75) الله سبحانه وتعالى كشف عنه القصور والحجب التي على أعين الناس، فرأى ما لا تراه المراصد اليوم، رأى إعجاز الخالق في السماء، فرأى النجوم والكواكب والمجرّات، رأى مُلك السموات والأرض.

وأخطأ بعض المفسرون الذين يقولون أن إبراهيم عبد النجوم ثم هداه الله تعالى إلى عبادته، فالذي يرى ملكوت السموات والأرض هل يعبد النجوم؟ هذا من الخلل والخطأ الجسيم: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (غافر:57) (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (:105) فأيقن بالله عز وجل وعزم أن يواجههم بالحجة والبرهان.

ثم الفاء في الآية "فَلَمَّا" فاء عطف واستئناف على ماسبق، أي بعدما رأى ملكوت السموات والأرض خرج مع قومه حرّان في عبادتهم للنجوم: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) (الأنعام:76) ويقال هذا الكوكب هو الزهرة وهو أقرب الكواكب إلينا، ترونه واضحاً في ليلة يكون فيها القمر يلمع كالنجم، هم كانوا يرونه نجماً ولكنه كان يراه كوكباً، انظر دقة التعبير القرآني "رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي" ما قال هذا ربي بمعنى أنه يستحق العبادة بل قالها استهزاءً بهم واستخفافاً بعقولهم، ولما مضى الليل اختفت الزهرة، قال كيف ربي يختفي؟ أريد ربي الآن، فأنا لا أحب الآفلين.

ثم خرج معهم ليلة ثانية: (فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) (الأنعام:77) هذا أجمل وأكبر، يا رب اهدني إليك، أين أنت؟ والناس ينظرون، فهو يمارس أسلوب الدعوة غير المباشرة من خلال تحميس العقل وتنشيطه للتفكير فيما يشاهد، وهذا هو أسلوب التفكر والتدبر الذي لا يجب أن يغفل عنه الإنسان، وهو نوع من أنواع العبادة.

القوم بدأوا يفكرون مثله، كيف ربٌ يختفي، إذا احتجناه في النهار ماذا نصنع؟ فلما طلع النهار وظهر الفجر وظهرت الشمس: (فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (الأنعام:78) لِمَ نعبد النجوم بالليل؟ لِنعبد هذا الكبير في النهار، فلما غربت الشمس أعلن الحقيقة التي أراد أن يوصلهم إليها: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام:79).

فبدأ الناس يجادلونه: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) (الأنعام:80) إذا كان بمقدور آلهتكم أن تؤذيني فلتؤذني: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنعام:81) من الذي يجب أن يخاف أنا أم أنتم؟ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (الأنعام:82-83) وهكذا أتاهم بالأدلة الواحد تلو الآخر لكنهم ما آمنوا وأصرّوا على كفرهم وشركهم.

خروجه إلى مصر

لم يؤمن معه أحد فقرر عليه السلام الهجرة إلى مصر، ترك الشام وفلسطين، وكان الحاكم الذي يحكم مصر وصلته الأخبار بوصول رجل معه إمرأة هي أجمل نساء الأرض فطمع بها، وأرسل جنوده ليأتوه بهذه المرأة، والقصة في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، وَقَالَ بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنْ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ أَوْ الْفَاجِرِ فِي نَحْرِهِ وَأَخْدَمَ هَاجَرَ"([17]).

لاحظ أنواع الكذب الذي كذبه إبراهيم عليه السلام، لمّا قال: أنا مريض، ولمّا قال: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، وهذه المرة لمّا قال: هذه أختي، كلها أمور تحتمل التأويل، ليس كذباً صراحاً بل كل ما قاله يحتمل التأويل، وكما قالوا: "في المعاريض مندوحة عن الكذب"([18]) وقد حدث هذا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر الكبرى أنه "قام صلى الله عليه وسلم بنفسه بعملية الاستكشاف مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة إذا هما بشيخ من العرب، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمد وأصحابه -سأل عن الجيشين زيادة في التكتم- ولكن الشيخ قال‏:‏ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏(‏إذا أخبرتنا أخبرناك‏)‏، قال‏:‏ أوَذاك بذاك‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏نعم‏)‏‏، قال الشيخ‏:‏ فإنه بلغنى أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني؛ فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به جيش المدينة‏-‏ وبلغنى أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني؛ فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به جيش مكة‏- ولما فرغ من خبره قال‏:‏ ممن أنتما‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏(‏نحن من ماء‏)‏، ثم انصرف عنه، وبقى الشيخ يتفوّه‏:‏ ما من ماء‏؟‏ أمن ماء العراق‏؟([19]).

لكن رغم ذلك فإن إبراهيم عليه السلام يوم القيامة يقول نفسي نفسي من تلك الكذبات: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي وَيُنْفِذُهُمْ الْبَصَرُ([20]) وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ فَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ، نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى"([21]).

رجوعه إلى فلسطين

فخاف إبراهيم على زوجته فرجع مرة أخرى إلى فلسطين، وبعدما استقر به المقام في فلسطين انضم له لوط عليه السلام، ثم إنه أمر لوط عليه السلام أن ينتقل ليدعو قوماً شديدي الفجور والكفر في قرية تسمى (سدوم) ويقال لها كذلك (المؤتفكة) وسنذكر قصة لوط عليه السلام مع هؤلاء القوم الفجرة الكفرة بعد الانتهاء من قصة إبراهيم عليه السلام، حتى لا نقطع القصة، علماً بأن قصة لوط كلها قد حدثت زمن إبراهيم عليه السلام.

فذهب لوط عليه السلام وبقي إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة وأَمَتها هاجر في فلسطين، وعاش هناك، وكان يدعو إلى الله ويسافر بين القرى، وصارت له الأموال الكثيرة في فلسطين، ولما بلغ من العمر 86 سنة تقريباً رأت سارة أنها عاقر لا تلد، وزوجها كبير السن يشتاق إلى الولد ويتمنّاه، فأهدته هاجر فصارت هاجر لإبراهيم عليه السلام فتزوجها وولدت له ولده البكر اسماعيل عليه السلام.

ثم ما لبثت سارة حتى غلبت عليها غيرة النساء من هاجر -رغم أنها هي التي أهدتها إليه- لكنها طبيعة النساء، فقالت: لا تجمعني معها في مكان واحد، هنا تأتي روايات كثيرة ليس لها أصل في الحقيقة،لكن أمر الغيرة ثابت في حديث البخاري([22]) حيث يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن هاجر كانت تلبس النطاق وهو الثوب الطويل (يعني تربط وسطها بشئ طويل) حتى يُغطّى على أثرها فلا تراه سارة لمّا تأتي إلى إبراهيم عليه السلام من شدة غيرة سارة، رغم الإيمان ورغم المكانة التي لسارة، لكنهن النساء، فزوجات النبي صلى الله عليه وسلم كان عندهن هذه الغيرة، وعلى الرجال أن يراعوا مثل هذه المسائل عند النساء، فإبراهيم عليه السلام راعى ذلك عند سارة وصرف هاجر عنها، ثم جاء الأمر من الله سبحانه وتعالى أن يأخذ هاجر ومعها الرضيع إسماعيل عليهما السلام إلى مكة، وفعلاً توجه بهما إلى مكة.

هاجر وإسماعيل إلى مكة

توجه عليه السلام مع زوجه وابنه الرضيع إلى مكة تنفيذاً لأمر الله، وسار بهما حتى وصل إلى وادي مكة، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، وكانت تتوقع أن يتركها في قرية على الأقل، لكن ما دام أمر الله عز وجل إذاً الإنسان يلتزم بأوامر الله، لا يخاف ولا يخشى فقراً أو فاقة.

ما كان إبرهيم عليه السلام يتركهم من تلقاء نفسه -حاشاه- حيث لما ابتعد عنهم فلا يرونه استقبل البيت الحرام ودعا لهما: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم:37).

عند رِجل نبي .. بحفر ملك .. بدأت زمزم

وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا.

لاحظ؛ هي تكون قادمة من المروة ثم تعود لها!!؟ لكن سبحان الله ارتباك المرأة لمّا تكون خائفة على رضيعها، فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ: "صَهٍ" تُرِيدُ نَفْسَهَا ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِه،ِ أَوْ قَالَ: بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ، ففرحت هاجر أيّما فرح لرؤية الماء، وجعلت تحوطه وتقول:"زم..زم" تعني تجمّع، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا رَكَضَ زَمْزَمَ بِعَقِبِهِ جَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تَجْمَعُ الْبَطْحَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَحِمَ اللَّهُ هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْهَا لَكَانَتْ مَاءً مَعِينًا"([23]) لكن استعجلت فحفرت له وأحاطته من شدة حرصها على الماء، وشربت وشرب إسماعيل ونجوا من الموت بمعجزة إلهية كريمة، لكن بقيت لا بشر ولا طعام فقط تشرب من ماء زمزم، وصارت الطيور تحوم على المياه.

قبيلة جرهم

في هذه الفترة كانت قبيلة جرهم قد تركت اليمن بسبب انهيار سد مأرب الذي كان يستعمل لتجميع المياه، وجرهم هم من أصل العرب فأصل العرب كلهم في اليمن، فلما انهار سد مأرب تفرقوا ومن بين القبائل التي كانت خرجت من اليمن قبيلة جرهم؛ واتجهوا صوب الشام، وكانت كل قبيلة تبحث عن مكان فيه ماء يعيشون حوله، ففي الصحراء الماء هو أساس الحياة، وكانوا تجاراً يعرفون هذه الطرق ويعرفون المياه في المنطقة.

فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ، مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ، فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، قبلوا شرطها رغم أنهم كانوا يستطيعون أن يغصبوا الماء، فهي امرأة وحيدة في الصحراء، لكنها الشهامة والنخوة.

وفعلاً نشأ إسماعيل في جرهم وتعلم منهم اللغة العربية الفصيحة بل صار أفصحهم، ومن ذريته صار العرب (المستعربة) ومن بينهم النبي صلى الله عليه وسلم، كان هذا استجابة لدعاء ابراهيم عليه السلام: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (ابراهيم:37).

هنا ذكر إبراهيم عليه السلام "عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ" فهل كان البيت المحرم مبنياً؟ لا، بالتأكيد عندما جاء ابراهيم بهاجر ما كان مبنياً، هل كان البيت مبنياً قبل ذلك؟ أم فقط مكانه معروف عند الملائكة وعند ابراهيم عليه السلام؟ هذا على روايتين: رواية تقول أنه فقط المكان معروف، وفي رواية تقول أنه كان قد بناه شيث بن آدم عليهما السلام وانهدم واندثر مع الأيام، فمكانه معروف بسبب بناء شيث لقول الله عز وجل: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران:96).

رؤيا ذبح إسماعيل

ومرت الأيام وشبّ إسماعيل عليه السلام في جرهم وكان إبراهيم عليه السلام يزوره في كل عام مرة أو مرتين أو أكثر، وظل على هذا الحال إلى أن جاء حدث عظيم، في إحدى زيارات إبراهيم عليه السلام لمكة وبينما هو نائم إذ رأى رؤيا في المنام، رأى أنه يذبح ابنه إسماعيل، ورؤيا الأنبياء حق، ليس فيها كذب ولا يتمثل فيها الشيطان، فعزم على هذا الأمر ولم يتردد: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ([24]) قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى، قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات:102).

لماذا شاور إبراهيم عليه السلام ابنه إسماعيل؟ كان يستطيع أن يذهب لإسماعيل وهو نائم ويذبحه فيوفّي أمر الله عز وجل، فالمسألة هنا تدلك على حرص الأب المسلم على أن يشاركه ابنه الأجر فلا يتفرد الأب بالأجر دون الابن، لكن لأن إسماعيل يعلم أن رؤيا الأنبياء حق فما تردد، ما قال له لمَِ تذبحني ما هي جريمتي؟ أتقتلني لأجل رؤيا في المنام، انتظر حتى يأتيك الأمر الصريح؟ لا بل هو التسليم الكامل لله عز وجل: "قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ"

"وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد"([25]) فهو لم يقل: ستجدني من الصابرين وإنما قال: "سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ" فمهما بلغ إيمان الإنسان يجب ألاّ يغتر، فلا يقول أنا سأفعل فأنا مؤمن وأنا أستطيع.. لا تغتر بإيمانك (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً) (الكهف:23-24) فعلى المسلم أن يجعل ذكر الله سبحانه وتعالى على لسانه وأن يرجع الأمور دوماً لله عز وجل، فقد جاء أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتْ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ" ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ"([26]).

أمَرّ السكين فلم تذبح

هنا عزم الأب وعزم الابن عليهما السلام على تنفيذ الأمر: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) (الصافات:103) أما كانا مسلميْن من قبل؟ بالتأكيد كانا مسلميْن من قبل، لكن هنا الإسلام الكامل، الإسلام الظاهر البيّن، فهما لَمّا أسلما أمرهما لله؛ وضع جبينه على الأرض وأخذ السكين ووضعها على رقبة إسماعيل وأمرّها فلم تقطع، السكين لم تقطع كما أن النار لم تحرق، السكين ليس فيها قدرة القطع إلاّ بإذن الله والنار ليس فيها قدرة الإحراق إلاّ بإذن الله، فالله سبحانه وتعالى نزع منها هذه القدرة.

هنا انتهى الاختبار، تبيّن أنهما جاديْن في تنفيذ الأمر، فما عاد الاختبار له حاجة بعد ذلك، التسليم حدث، الذي سيحدث بعد ذلك لحم ودم ليس له قيمة، فلما ظهر التسليم لله رب العالمين جاءهم النداء: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ) (الصافات:104-106) جسّدت الرؤيا وحوّلتها إلى واقع، هذا هو أعظم اختبار في التاريخ هذا هو الابتلاء الواضح المبين، من منا مستعد لو قيل له تصدق بكل أموالك أن يتصدق بها، ومن منا مستعد إن فعل ذلك أن يقال له اذبح ابنك، فما بالك بالابن الوحيد، الذي جاء بعد 86سنة من الانتظار.

من أجل ذلك مدحه الله سبحانه وتعالى فقال: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (النجم:37) بماذا وفّى؟ وفّى بكل شيء، ضحّى بنفسه لما أُلقي في النار، ووفى لما وضع هاجر وابنها الرضيع في وادٍ غير ذي زرع، وضحّى بابنه لما رأى رؤيا في المنام أنه يذبحه، وفّى ببناء بيت عظيم لله رب العالمين، ووفّى بماله حيث كان يسمى (أبو الضيفان) فما كان يأكل إلا ومعه ضيف.

لمّا سمع النداء التفت فإذا بجبريل عليه السلام معه كبش من السماء، كبش ليس من الأرض، وإنما نزل من الجنة: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (الصافات:107-111) "عن ابن عباس قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً"، وعنه: "كبش أعين أقرن"([27]) وصارت سنة في أمة الإسلام من بعده أن يهدوا ويضحّوا لله عز وجل عند الكعبة، عند البيت الحرام في كل عام مرة، ويضحي معهم المسلمون في أنحاء الأرض لاستشعار معنى الاستسلام والانقياد والتسليم المطلق لأمر الله.

البشرى بإسحاق

بعد ذلك رجع إلى فلسطين فجاءته البشرى بإسحاق: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات:112) أراد الله سبحانه وتعالى أن يكرمه ويكرم سارة زوجته وكان عمر إبراهيم آنذاك مائة سنة، وسارة تسعين سنة، فنزل ثلاثة من الملائكة يبشّرونهم: (جبريل وميكائيل وملك الموت) وهم في طريقهم إلى قرية لوط لتدميرها عقاباً لهم على كفرهم.

نزلت الملائكة على صورة بشر، وكان عليه السلام يحب الضيوف، فلما أتوه سلّموا عليه فسلّم عليهم، فاستغرب: قوم لا يُعرفون في هذه البلد وليس عليهم آثار سفر: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) (الذاريات:25) وعلى عادته عليه السلام في إكرام الضيوف أدخلهم في البيت وجهز لهم طعاماً مميزاً: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ([28])) (هود:69) وفي آية أخرى: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذاريات:26).

والكرم من شيم الأنبياء ومن خلق المرسلين عليهم السلام، وضع لهم الطعام وقربه إليهم، لكنهم لم يصيبوا منه: (فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) (هود:70) وأخبروه بالمهمة التي جاءوا من أجلها، جاءوا ليدمّروا قوم لوط، وكانت سارة "قائمة على رؤوس الأضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم"([29]): (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (هود:71) استبشرت غضباً لله، ضحكت لما سمعت الخبر: أن قوم لوط سيُدمرون لأنهم كانوا قد ملئوا الأرض فساداً حيث قال عنهم نبيهم لوط عليه السلام:ما أعلم على الأرض أهل قرية أخبث من هؤلاء: (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت:28).

ثلاث بشارات: أنها ستلد نبياً كريماً وهو اسحاق عليه السلام، وأنها سيمتد بها العمر لترى هذا الولد قد كبر، وأنها سترى ابن ابنها ويكون نبياً كريماً، فأي إكرام أكبر من ذلك، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ؛ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بَنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ"([30]) فهو نبي بن نبي بن نبي بن نبي، وهذا ليس لأحدٍ إلاّ ليوسف عليه السلام.

لكنها مع فرحتها تعجبت: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (هود:72-73) وفي موضع آخر أنها صرخت ولطمت وجهها كما تفعل النساء عند التعجب من شئ: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (الذاريات:29-30) كيف ألد وعمري تسعون سنة وهذا بعلي عمره 120سنة، لكن الأمر عند الله لا يعدو كونه بين الكاف والنون: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (البقرة:117).

الأمر ببناء الكعبة

أمر الله نبيه وخليله ببناء الكعبة، فاستعان عليه السلام بولده اسماعيل: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (الحج:26) دلّه الملك على مكان البيت وفي رواية أنه حفر منطقة الكعبة فوجد آثار بناء عليه فبنى فيه، وفي رواية أنه وجد الأساس الذي وضعته الملائكة.

ويروى أنه لَمّا جاءت قريش تريد بناء الكعبة لما تهدمت في زمانها، وهو البناء الذي شارك فيه النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، ووضع الحجر الأسود بيديه الكريمتين في الخلاف الذي حدث في قريش في القصة المشهورة، لما هدمت قريش الكعبة أرادوا أن يعمقوا الأساس فحفروا حتى وصلوا إلى حجارة يصفونها بأنها خضراء كأسنمة الجمال (مثلثة) متشابكة (حجر قرب الآخر) في أساس الكعبة، فأرادوا أن يحركوها ليعمقوا الأساس، فجاء أحدهم بمعول فوضعه تحت الحجر الأخضر فحرّك الحجر فرفعه فخرج من تحت الحجر نور كاد يُعمي الرجل، وسقط الحجر ورجع مكانه، فقالوا: لا تمسوها ابنوا عليها، فهذا أساس الكعبة؛ حجارة تحتها النور، فبيت الله سبحانه وتعالى مصدر النور الإيماني في الأرض.

مقام إبراهيم .. حِجْر إسماعيل

ومقام إبراهيم هو نفسه المعروف بحجر إسماعيل، ويقول الله تعالى معظماً من شأنه: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:96-97) ومن الآيات؛ مقام إبراهيم عليه السلام وفيه الحجر الذي كان يقف إبراهيم عليه قائماً لَمّا ارتفع البناء عن قامته، فوضع له ولده إسماعيل هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه، وجاء ذكر المقام آية أخرى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة:125).

"وقد كان هذا الحجر ملصقاً بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخّره عن البيت قليلاً لئلا يُشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت، واتبع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا، فإنه قد وافقه ربه في أشياء منها قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله: وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وقد كانت آثار قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أول الإسلام"([31])، وهذا ما عليه المقام اليوم، حيث يقوم الحراس في الحرم بتنظيم الصلاة داخل المقام المسمى حجر اسماعيل.

الكعبة أثناء البناء

بدأ إبراهيم عليه السلام ببناء الكعبة وإسماعيل يساعده ويعاونه، وكلاهما يلهج بالدعاء: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:127-128) وكانا يطلبان من الله أن يعلمهما النسك وكيفية العبادة الصحيحة، وكانت أعظم دعوة دعوا بها: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة:129) وقد أجاب الله الدعاء فبعث إلينا محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن: الْكِتَابَ، والسنة:َالْحِكْمَةَ، والأخلاق الزكية الطيبة: وَيُزَكِّيهِمْ، فنشهد أن علمنا وبلّغنا.

"فلما بلغا القواعد وبنيا الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني اطلب لي حجراً حسناً أضعه ها هنا، قال: يا أبت إني كسلان تَعِب، قال: على ذلك فانطلق، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة([32])، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن فقال: يا أبت من جاءك بهذا؟ قال جاء به من هو أنشط منك"([33]) وفي حديث الترمذي: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ".

تغييرات على الكعبة

والكعبة التي بناها إبراهيم عليه السلام لم تبقَ كما هي طيلة التاريخ بل طرأ عليها تعديلات من ضم الحِجْر إليها وفصله وغير ذلك ففي الحديث عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنْ الْحِجْرِ"([34]) "وقد بناها عبد الله بن الزبير رحمه الله في أيامه على ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم حسب ما أخبرته به خالته عائشة، أم المؤمنين عنه، فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك، فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه فأمر بردها إلى ما كانت عليه، فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر ثم سدوا الحائط وردموا الأحجار في جوف الكعبة، فارتفع بابها الشرقي وسدوا الغربي بالكلية، كما هو مشاهد إلى اليوم، ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين ندموا على ما فعلوا وتـأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك.

ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور استشار الإمام مالك بن أنس في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير، فقال له: إني أخشى أن يأخذها الملوك لعبة، يعني: كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد فاستقر الأمر على ما هي عليه اليوم"([35]).

وأذّن في الناس بالحج

وبُنيت الكعبة وجاء الأمر من الله سبحانه وتعالى(…وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:من الآية97) واجب وفرض على كل الناس أن يحجّوا البيت ومن لم يفعل فقد كفر والله غني عنه، وجاء الأمر لإبراهيم عليه السلام: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج:27) فقال إبراهيم عليه السلام: يا رب وما يبلغ صوتي، فجاء الرد: يا ابراهيم إنما عليك الأذان وعلينا البلاغ.

وتوجه إبراهيم عليه السلام إلى جبل عرفات فصعد عليه وجعل ينادي في الناس بأن يحجوا بيت الله الحرام، رجل ينادي في صحراء من يسمعه؟ لكنها المعجزة الإلهية: فبلغ صوته كل الناس في الأرض، وليس هذا فقط وإنما المعجزة الأعجب أن الله قذف في قلوب الناس حب الكعبة وحب الحجّ، فمن أقصى الأرض بدأ الناس يأتوا يحجّوا بيت الله الحرام، بدأ الحج بمعجزة من الله سبحانه وتعالى وتعظيم بيت الله الحرام بأمر منه سبحانه وتعالى، وجُعل حب البيت في نفوس الناس حتى قبل الإسلام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إبراهيم إماماً للناس

وتقديراً من الله لإبراهيم الذى وفىّ بكل الأوامر والنواهي جعله الله إماماً للناس: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124) إذاً جعله الله إماماً للناس، فطلب أن تكون ذريته كذلك فعلّمه الله أن الولاية للمؤمنين وليست للظالمين، ولا تكون بالوراثة بل الضابط هو الإيمان والاستقامة على أمر الله.

واختلفت الروايات في تعيين ما هي الأشياء التي ابتلاه الله بها، فعن ابن عباس في قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) قال: "ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد في الرأس قص الشارب والمضمضة والإستنشاق والسواك وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء"([36]).

بعدما تعلم إبراهيم الدرس الأول، دعا الله أن يرزق المؤمنين فقط من أهل البلد الحرام: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة:125-126) فعلمه الله الدرس الثاني لمّا قال: "وَمَنْ كَفَرَ" أي أن الله يرزق المؤمن والكافر، وهنا يتضح أن الولاية للمؤمنين فقط أما الرزق فللناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم.

كيف تحيي الموتى

يروي الله لنا عز وجل خطاباً عجيباً بين إبراهيم عليه السلام وربه: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:260) طلب من الله أن يريه كيفية إحياء الموتى، فقال العلماء عن هذه الحادثة أراد إبراهيم عليه السلام أن ينتقل من علم اليقين في قلبه إلى عين اليقين بأن يشاهد بعينيه([37])، فقال له خذ أربعة من الطيور واذبحهن ثم قطعهن واخلطهن مع بعضهن، ثم خذ هذا الخليط من اللحم والدم والريش واجعله على أربعة جبال، وفي رواية أنه احتفظ بالرؤوس عنده.

ففعل ذلك ثم بدأ ينادي على الطيور، فإذا بالطيور بدأت تتجمع وتتشكل أمام عينيه، فتشكلت طيور حية بلا رؤوس فيأتي الطير يأخذ رأسه على جسمه فيصبح طيراً حياً سوياً كما كان من قبل، فسبحان القادر الخالق.

بعضاً ممّا في صحف إبراهيم

إبراهيم عليه السلام نزلت عليه صحف من الله تعالى: (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (الأعلى:19) "وروى الآجري من حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول اللّه، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالا كلها: أيها الملك المتسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر.

وكان فيها أمثال: وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، يفكر فيها في صنع اللّه عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألا يكون ظاعناً([38]) إلا في ثلاث: تزود لمعاد، ومرمة لمعاش، ولذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظا للسانه، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعينه.

قال: قلت يا رسول اللّه، فما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبراً كلها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح! وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب! وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها! وعجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم هو لا يعمل! قال: قلت يا رسول اللّه، فهل في أيدينا شيء مما كان في يديْ إبراهيم وموسى؛ مما أنزل اللّه عليك؟ قال: نعم اقرأ يا أبا ذر: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)"([39]).

المناجاة عبادة عظيمة تركها كثير من الناس، وهي أن تخاطب الله سبحانه وتعالى وتدعوه كأنك تكلمه وحدك، فالعبادة خلوة العابد مع المعبود: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:191).

إسماعيل عليه السلام

قد ذكرنا شيئاً من قصته، فلم تُفصّل لنا قصته أكثر من ذلك، وقد ذكره الله سبحانه وتعالى في الكتاب بقوله: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً) (مريم:54-55) وقد أثنى الله تعالى عليه فوصفه بالحلم والصبر وصدق الوعد، والمحافظة على الصلاة والأمر بها لأهله ليقيهم العذاب، مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الأرباب، "وذكر علماء النسب وأيام الناس: أنه أول من ركب الخيل وكانت قبل ذلك وحوشاً فأنَّسها وروّضها وركبها" و"عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتّخذوا الخيل واعتقبوها فإنها ميراث أبيكم إسماعيل)([40]).

وهو أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة، وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جرهم، والعماليق وأهل اليمن من الأمم المتقدمين من العرب قبل الخليل".

"وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: شكى إسماعيل عليه السلام إلى ربه عز وجل حرَّ مكة، فأوحى الله إليه أنى سأفتح لك باباً إلى الجنَّة، إلى الموضع الذي تدفن فيه يجري عليك روحها إلى يوم القيامة"([41]).

إسحاق عليه السلام

قد ذكرنا شيئاً من قصته أيضاً، ولم تُفصّل قصته لنا غير أن الله مدحه في مواضع عديدة في القرآن: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء:72-73) فهو من أئمة الخير والهدى وهو هبة الله لإبراهيم وسارة جزاء للوفاء بأوامر الله ونواهيه، وقد قدمنا أن إسحاق قد وُلِد ولأبيه مائة (100) سنة، بعد أخيه إسماعيل بأربع عشر (14) سنة، وكان عمر أمه سارة حين بُشّرت به تسعين (90) سنة.

إلى الرفيق الأعلى

  1. هاجر عليها السلام: توفيت هاجر أم إسماعيل عليهما السلام قبل موت إبراهيم، ودفنت في مكة وحزن عليها إبراهيم عليه السلام حزناً عظيماً.
  2. سارة عليها السلام: توفيت سارة بعد هاجر وكان عمرها حين ماتت مائة وسبعاً وعشرين (127) سنة، وحزن عليها إبراهيم عليه السلام ورثاها([42]) بما هي أهل له.
  3. إبراهيم عليه السلام: مات إبراهيم عليه السلام وعمره مائة وخمس وسبعينَ (175) سنة ودفنه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، ودفن في حبرون التى تسمى اليوم الخليل في فلسطين، اسمها حبرون الأصلي وسماها المسلمون الخليل نسبة إلى إبراهيم الخليل عليه السلام.
  4. إسماعيل عليه السلام: ومات إسماعيل عليه السلام ودفن بالحجر -في مكة- مع أمه هاجر، وكان عمره يوم مات مائة وسبعاً وثلاثين سنة.
  5. إسحاق عليه السلام: ومات إسحاق عليه السلام عن مائة وخمس وسبعون سنة تقريباً ودفن كذلك في الخليل.

فضائله عليه السلام

ومن فضائل إبراهيم عليه السلام التي ذكرت في الأحاديث الشريفة:

· أنه كان خليل الرحمن: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) (النساء:125) وهذه من أعظم فضائله.

· أول من يكسى يوم القيامة كما جاء في حديث البخاري: (…وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ…).

· أن وُصف بأنه وفّى، فكل ما طلبه الله منه أدّاه (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (النجم:37).

· أنه من أولي العزم من الرسل (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (الأحزاب:7).

· أن سماه الله (أمة): أي قدوة وإماماً (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (النحل:120-122) كان يحمد الله على كل شئ على شرابه وطعامه ولباسه.

· أنه أبو الأنبياء يقول تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (العنكبوت:27) ما جاء نبي بعد إبراهيم عليه السلام إلا من ذرّية إبراهيم هذا هو الشرف والفضل.

· أول من أضاف الضيف، وأول من لبس السراويل، وأول من اختتن([43]).

القصة في صحيح البخاري

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ([44]) مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ([45]) أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ.

فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ، حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، حَتَّى بَلَغَ "يَشْكُرُونَ".

وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا.

فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ: "صَهٍ" تُرِيدُ نَفْسَهَا ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِه،ِ أَوْ قَالَ: بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ، أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا، قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ.

فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ، مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ، فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ.

وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ: يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى.

عَتَبةُ بابك .. غَيّرها أو احفظها

فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْه،ُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: الْمَاءُ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ، قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.

ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.



([1]) يقول ابن كثير: "وجمهور أهل النسب، منهم ابن عباس، على أن اسم أبيه تارح، وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة، فقيل إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر، وقال ابن جرير: الصواب أن اسمه آزر، ولعل له اسمان علمان أو أحدهما لقب والآخر علم".

([2]) ذكر السيوطي في الديباج على صحيح مسلم: (وكانت أحسن الناس، في الحديث أنها "أوتيت هي ويوسف شطر الحسن" أخرجه الحاكم من حديث أنس، وعن بن عباس: "كان حسنها حسن حواء" أخرجه بن عبد الحكم في فتوح مصر).

([3]) فصّل ابن كثير في أمر هاران، وخلاصة الأمر أن عمه اسمه هاران وكذلك أخوه اسمه هاران.

([4]) رواه الإمام أحمد.

([5]) ابن كثير.

([6]) الحفاوة: المبالغة في الإكرام، ولذلك كان يسمى: خليل الرحمن، والخلّة امتلاء القلب بالحب.

([7]) القترة: الغبرة والسواد.

([8]) رواه البخاري.

([9]) ابن كثير.

([10]) ابن كثير.

([11]) المنجنيق: آلة يقذفون بها الحجارة إلى مسافة بعيدة، صنع لهم المنجنيق رجل كردي يقال له (هيزن) وكان أول من صنع المجانيق، خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، هذا ما قاله ابن كثير.

([12]) رواه البخاري.

([13]) رواه الإمام أحمد.

([14]) رواه البخاري.

([15]) ابن كثير.

([16]) ابن كثير.

([17]) رواه البخاري.

([18]) في البخاري باباً عنونه:" باب المعاريض مندوحة عن الكذب"، وعند أبو داوود: "باب المعاريض".

([19]) الرحيق المختوم للمباركفوري.

([20]) ينفذهم البصر: يُحيط بهم ويشملهم ببصره.

([21]) رواه البخاري.

([22]) الحديث أوردته كاملاً في نهاية قصة إبراهيم.

([23]) رواه الإمام أحمد في مسنده.

([24]) أي لما شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه.

([25]) ابن كثير.

([26]) رواه مسلم.

([27]) أعين: عيناه واسعتان، أقرن: قرونه طويلة.

([28]) حنيذ: مشوي.

([29]) ابن كثير.

([30]) رواه الإمام أحمد.

([31]) ابن كثير.

([32]) الثغام: نبات أبيض الزهر والثمر.

([33]) ابن كثير عن السدي.

([34]) رواه الإمام أحمد.

([35]) ابن كثير.

([36]) ابن كثير.

([37]) علم اليقين أن يكون الإنسان متأكداً من الأمر وليس في قلبه شك فيه، أما عين اليقين فأن يشاهد بعينه: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99) أي حتى يأتيك الموت عياناً.

([38]) ظاعناً: باذلاً الجهد.

([39]) القرطبي في تفسيره.

([40]) ابن كثير.

([41]) ابن كثير.

([42]) رثاها: أي ذكر صفاتها الطيبة بعد موتها.

([43]) روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن إبراهيم عليه السلام اختتن وهو ابن ثمانين سنة"، واستمر الختان بعده في الرسل وأتباعهم حتى بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام (علوان، عبد الله ناصح. تربية الأولاد في الإسلام. ط 32. القاهرة: دار السلام، 2009.

([44]) هو مايشد به الوسط، الحزام.

([45]) لتخفي وتمحو.

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

One thought on “قصة إبراهيم عليه السلام وتشمل قصة إسماعيل وإسحاق عليهما السلام

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s