الفكرة لا تصقل إلا بالتطبيق.. كما أن نجاح المنهج نسبي

  د. ناجي شكري الظاظا

ArticlesSerajلا شك في أن التنظير الكلامي لفكرة أو الترويج لمنهج لا يمكن أن يكون مقبولاً في ظل احتياجات المجتمع الاقتصادية والمعيشية اليومية. كما أن تحويل الشعارات إلى برامج هو ما يجب أن يشغل بال أصحاب تلك الفكرة وذلك المنهج. خاصة إذا كانت تلك الفكرة عالمية وأن ذلك المنهج يشمل كافة مناحي الحياة الفردية والجماعية. ولا يدعي أحد ان الإسلاميين ليسوا في معزل عن تلك الحاجة، وهم الذين ألقت بهم الجماهير على سدة الحكم دون طويل انتظار سواء كان ذلك نتيجة لانتخابات طبيعية كما هو الحال في فلسطين او نتاجاً لثورات الربيع العربي كما في مصر وتونس، أو حتى نتيجة لتراكم المشاركة السياسية المباشرة كما في تركيا.

وهنا لا بد من التصريح بأن الاحزاب والمناهج العربية والقومية الأخرى كلها تعاني من ضيق في الأفق وقصر في النظر أفضى بها إلى الانحسار. فالقومية العربية كفكرة صاغها أحمد ميشيل عفلق على شكل منهج للبعثية العربية منذ بدايات القرن الماضي إلى أواسطه (1947م) بتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي ليعلن عن شعاره: “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” فكانت خسارة الأمة بضياع فلسطين بعدها بعام واحد فقط (1948م).

إن المتدبر للفكرة والمتابع للمنهج يدرك أن لا مستقبل لغيره لنهضة الأمة العربية بصفتها حاضنة الإسلام وحامية التراث، مستقبل تتراكم نجاحاته نسبياً لتصل إلى كمال النضج وتكامل التطبيق.


وفي أواسط خمسينيات القرن الماضي لمع نجم قائد عربي قومي نادى بالوحدة العربية وجعل الكرامة العربية رمزاً لمناهضة “الامبريالية” الغربية، فلم تمكث تلك الوحدة بإعلان الجمهورية العربية المتحدة كنموذج بين مصر وسوريا لثلاث سنوات (1958-1961م). ثم تبع ذلك هزيمة الجيوش العربية عام 1967م. مات الرجل ومشى في جنازته أكثر من خمسة ملايين شخص، وسرعان ما ماتت فكرته، في حين أن رجلاً من نفس البلد قد أعلن عن فكرة وعمره 22 عاماً فقط مات في سبيلها ولم يمش في جنازته سوى والده وأربع نسوة يحملن نعشه خوفاً من تدافع الملايين لتشييعه تكريماً لفكرته ومنهجه، مات وعاشت فكرته إلى يومنا هذا تحمل الخير لكل الناس. ورحم الله سيد قطب حين قال: "إن كلماتنا تبقى عرائس من شمع فإذا متنا في سبيلها دبت فيها الحياة”.

صحيح أن الإسلاميين ليسوا وحدهم أمام تحدي تحويل الفكرة والمنهج إلى برنامج سياسي ومنهج حكم، وسياسة لحياة الناس اليومية؛ لكنهم أشد حاجة لذلك كونهم يحملون منهجاً شاملاً ويرفعون شعاراً متكاملاً يبدأ بالفرد وينتهي بالدولة، مما يستوجب تفصيلاً -لازماً- لا يغفل عن تغيير كل الواقع الذي غيرته أفكار وأحزاب أخفقت من قبل في توفير وحدة عربية أو شمل إسلامي يعيد الكرامة ويحمي الوطن.

ولا أحد يتعلم بدون ممارسة واقعية لفكرته ومنهجه، حتى أن القرآن الكريم نزل منجماً أي مفرقاً على 23 سنة ليمكن فهمه في سياق الحياة وبالتالي تطبيقه بشكل يتناسب ومتغيراتها. فقد بدأت الفكرة بإصلاح الفرد وإخراجه من عبودية العباد إلى عبودية الله رب العباد، وانتهت بالسلطة والنفوذ والقدرة على العفو من بعد الغلبة والانتصار.

إن الشمولية تقتضي التنوع في الاهتمام والتعدد في التخصص وذلك يستلزم بروز قيادات ذات قدرة وعظية وتنظيرية للفكرة بطابع من الروحانية والإيمانية، وأخرى سياسية واقتصادية تهتم في الشأن العام وإدارة المال والأعمال. ولا أرى أن الحرب الشاملة على حركات الإسلام السياسي كانت نابعة من رفض خصومهم للخطاب الديني أو الوقفات الروحانية مع الناس أو حتى اصباغ الإيمان بكل مجالات عملهم، بل إن خوفهم من نجاح التجربة وتحقيق المنهج هو ما دفعهم لتلك الحرب المفتوحة على كل الوجود الحركي والتنظيمي الإسلامي بالتشويه والشيطنة مستخدمين كل ماكنة إعلامية وكل دعم مالي ممكن.

إن المتدبر للفكرة والمتابع للمنهج يدرك أن لا مستقبل لغيره لنهضة الأمة العربية بصفتها حاضنة الإسلام وحامية التراث، مستقبل تتراكم نجاحاته نسبياً لتصل إلى كمال النضج وتكامل التطبيق.

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s