البيئة هي مادة الإبداع التي تمكنك من رؤية المألوف بطريقة غير مألوفة

  Articlesد. ناجي شكري الظاظا *

لا شك أن الإنسان يعيش قدراً من الزمن يراقب فيتعلم، ثم تراه يحاول أن يعدّل بعضاً مما تعلم فيصيب هنا ويخطئ هناك. ولعل من نواميس الكون وطباع البشر التي لا تنفك عنهم هو أنهم غير معصومين من الخطأ بحكم قصورهم الفطري عن إدراك الصواب دائماً، وغير محصنين ضد التأثر ببيئتهم التي عاشوا فيها أو تلك التي عايشوها في الواقع الحقيقي أو حتى الواقع الافتراضي.

توصلت دراسات استطلاعية عن عدد الساعات التي يقضيها مستخدمو الفيسبوك في بعض البلدان العربية إلى أنه في الأردن ما نسبته 2.3 ساعة يومياً في حين تصل في البحرين إلى 4.1 ساعة، كما أن مارك زوجربيرغ نفسه يقول أن الأمريكيين يقضون 40 دقيقة يوميا على الفيسبوك. هذه الأرقام تعطي مؤشراً إلى أن الواقع الافتراضي كشبكات التواصل الاجتماعي تشغل حيزاً مهما من وقت الإنسان إذا ما خصمنا أوقات العمل والنوم وزمن التنقل من مكان لآخر والتي تصل بالمجمل إلى 18 ساعة فإن أربع ساعات يومياً تعني أنها جزء أساسي من مصادر الإرسال والاستقبال بين الإنسان والكون.

على هذه الحياة ثمة حقيقة مهمة وهي أن الإنسان هو مركز الكون ومحور اهتمامه، وبالتالي فهو يستطيع أن يرى الأشياء من حوله بحسب طبيعته وتكوينه، ولعل الثقة بالنفس وبالقدرات الفردية تجلب للإنسان فرصاً قد لا يراها غيره، وتعطيه من البصيرة ما يجهله غيره

تعتبر خلفية الإنسان العلمية وطبيعة دراسته الجامعية أو تخصصه مؤثر بالغ الأهمية في نظرته للأمور وحكمه عليها، بل إنها تؤثر في تكوينه النفسي والسيكولوجي تجاه الأحداث والأفكار التي تعرض عليه يومياً. يقول الإمام الشافعي رحمه الله: “مَنْ تَعْلَمَ الْقُرْآنَ عَظُمَتْ قِيمَتُهُ، وَمَنْ نَظَرَ فِي الْفِقْهِ نَبُلَ مِقْدَارُهُ، وَمَنْ كَتَبَ الْحَدِيثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ، وَمَنْ نَظَرَ فِي اللُّغَةِ رَقَّ طَبْعُهُ، وَمَنْ نَظَرَ فِي الْحِسَابِ جَزَلَ رَأْيُهُ، وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ ”، فانظر مثلاً إلى أهل اللغة والأدب ترى الهدوء يغمرهم رقة وتعبيراً، يوظفون المجاز ومحاسن البلاغة في التلطف مع الآخرين وما ذلك إلاّ تأثراً مباشراً بخصائص اللغة التي تعطيك هامشاً واسعاً من الكلمات والتعبيرات التي تحوم حول المعاني فتصيب ما أرادت من قلب وعقل السامع.

وكذا الحساب الذي قد ينسب إليه علم الرياضيات، الذي يتعود صاحبه على المنطق في استقبال المعلومة ثم تحليلها قبل الحكم عليها، من غير عاطفة –مع وجودها فطرة- وبلا فقد للعوامل المؤثرة في صحة ما يقال أو يناقش أو يعلن؛ في خضم التعبيرات الأدبية والمداراة التي يلجأ إليها الساسة غالباً. فالمنهج العلمي إجمالاً يؤثر الدقة على الصحة، والطريقة الصحيحة على النتائج، بل هو يهتم بالمنهجية السليمة دون النتائج التي قد تكون قيمتها متدنية أو هامشية.

وإنني أزعم أن الخبرة لا تقاس بطول العمر أو الزمن فحسب بل بكيفية فهم الأحداث وبالتالي الاستفادة منها، وذلك بالضرورة تؤثر فيه البيئة، فقد تكون صفحة تقرؤها تفيدك في توسيع مداركك وتفتح لك مكنونات فكرك خير من قراءة كتاب لا تستفد منه ذلك. وقد تسافر إلى بلد مدة شهر فقط تستطيع أن تدرك ما لم يدركه من عاش فيها سنوات، والأصل هنا في طريقة النظر للأمور ما بين الانبهار والاستبصار، ما بين التأثر والتأثير، ما بين الحاجة والتوفر.

على هذه الحياة ثمة حقيقة مهمة وهي أن الإنسان هو مركز الكون ومحور اهتمامه، وبالتالي فهو يستطيع أن يرى الأشياء من حوله بحسب طبيعته وتكوينه، ولعل الثقة بالنفس وبالقدرات الفردية تجلب للإنسان فرصاً قد لا يراها غيره، وتعطيه من البصيرة ما يجهله غيره. ولعل من نتائج ذلك كله هو أن يبدع المرء في حياته؛ والإبداع هو أن ترى المألوف بطريقة غير مألوفة، وهذا لا يتأتى بدون الاهتمام المسبق بذلك، وذلك ليس خاطرة عابرة أو تأمل حالم، ولكنه استعداد نفسي وذهني للتأمل في المألوف في سياقه وزمانه ومكانه مع ربطه بمألوف آخر.


* كاتب وباحث فلسطيني

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s