جاهلية الفكر لا جاهلية العقيدة

د. ناجي شكري الظاظا*

إذا كنا في عصر العلم وانتشار المعرفة، فهل من اللائق وصف الناس بالجهالة أو زمانهم بالجاهلي؟ تساؤل مشروع والرد عليه واجب. الجاهلية لا تعني عدم العلم بالإسلام وأحكامه أو الجهل بالإيمان وأركانه! فإن جاهلية العصر الأول في مكة كانت تعلم أن الله هو الخالق وهو الرازق، “وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ”، بل إنهم يقروا -جهلاً- بأن عبادة الأصنام من دون الله هي حالة نتجت عن كون أصنامهم أقرب إليهم في الرعاية الحماية والتواصل “وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى”، لقد كانوا يجهلون حاجتهم للإيمان وضرورة تسليم كل أمورهم لطاعة الله وأحكام الإسلام، إذ أن معرفة الخالق وفضله تقتضي عبادته واتباع أحكامه.

من الناس من يعلم فضل الإسلام على الإنسان وما قدمه من خير للبشرية وإثراء للحياة، وما أرساه من معاني الحرية في الاعتقاد والعبادة، وتفصيله في مفردات العلم ونظام الحكم حتى سادوا قروناً متتالية أنشئوا حضارات وتركوا علماً وفكراً وتجربة لا زالت الأمم تعترف بها وتعتمد عليها. رغم كل ذلك فهؤلاء الناس يرفضون فكرة أن هذا الدين يصلح لهذا الزمان سياسة وحكماً ومنهج حياة اجتماعي يضبط سلوك الفرد وينظم حياة المجتمع ويرسم حكم الدولة!

إن جاهلية العصر الفكرية قد يعيش فيها الإنسان سليم العبادة صحيح العقيدة؛ ليس خارجاً من ملة الإسلام لكنه ظالم لنفسه مهلكها، ولا ضامن له من الوقوع في المحظور وتجاوز الحد فيصيب الجهلُ عقيدتَه ومذهبَه "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه"

هؤلاء الناس (العلمانيون) يربطون اتباع الإسلام كمنهج حياة بالتجربة الغربية القديمة التي عانت من تسلط رجال الكنيسة (رجال الدين) الذين حالوا بين الناس والعلم، وبعضهم تأثر بالنظرة الشرقية للدين بأنه “أفيون الشعوب” يخدرهم ليسهل قيادهم. إن عودة الناس لفلسفة الجاهلية التي تنكر حق الله في التشريع وتتمرد على أحكام الإسلام هي ما يجعل من عودة الجاهلية أمراً واضحاً، ولعل ذلك من علامات الساعة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه ضمن باب “لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة” فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى” في إشارة واضحة إلى عودة مظاهر الجاهلية التي تعلي من قدر الرموز المادية التي تتجاوز حق الله في العبادة والحاكمية.

يقول محمد قطب رحمه الله: “المعنى الاصطلاحي للجاهلية، الذي جاء في كتاب الله الكريم، والذي خلاصته الجهل بحقيقة الألوهية، والجهل بما يجب لله سبحانه وتعالى من إخلاص العبادة له وحده دون شريك. وهي بهذا المعنى ليست محددة بزمن معين، ولا مكان معين، ولا قوم معينين. إنما هي تصورات معينة، وسلوك معين، حيثما وجدت فهي الجاهلية، بصرف النظر عن الزّمان والمكان والقوم”؛ وعليه فيمكن القول بأن الجاهلية هي حالة نفسية ترفض الاهتداء لمنهج الله ووضع تنظيمي يرفض الحكم بما أنزل الله.

جاهلية العصر تلك، هي السبب المباشر في شذوذ الفكر، وانحراف التطبيق، وجنوح الفطرة، وغلو السلوك. فأصبح الشاذون جنسياً يجاهرون بزواج المثليين في دول تدعي العلم وتباهي بمدنية العمران ورفعة “الأخلاق”، حتى أنهم شرعوا ذلك ووضعوا له قوانين مدنية تحمي ذلك الزواج الشاذ عن الفطرة والمنافي لحفظ النوع واستمرار النسل. إن أكثر من 18 دولة أقرت قوانين ذلك الزواج الشاذ من أشهرها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وجنوب أفريقيا وإسرائيل وأسبانيا والدنمارك. بل إن بعض الكنائس باركت ذلك الزواج في مخالفة صريحة للمعتقد المسيحي واليهودي.

الجاهلية ليست كلها شر! بل فيها الخير الذي يرتبط بمعادن الناس ومكنونات نفوسهم وفطرتهم السليمة وتأثرهم ببيئتهم التي ربما تحترم القيم وتتيح هامشاً للأفراد في فعل الخير. فقد قال صلى الله عليه وسلم: “الناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خِيارهم في الإسلام إذا فَقِهوا”، بل إن الإسلام لا يجعل الجاهلية سبباً في مقاطعة أو ترك أي خير مشترك يصب في صالح الفرد أو المجتمع أو الدول، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال في حلف الفضول: “ولو دعيت به في الإسلام لأجبت” وهو حلف أو معاهدة كانت في الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بعشرين سنة تنص على نصرة المظلوم من الظالم وأخذ الحق لصاحبه مهما كان وضع المعتدي في المجتمع.

إن جاهلية العصر الفكرية قد يعيش فيها الإنسان سليم العبادة صحيح العقيدة؛ ليس خارجاً من ملة الإسلام لكنه ظالم لنفسه مهلكها، ولا ضامن له من الوقوع في المحظور وتجاوز الحد فيصيب الجهلُ عقيدتَه ومذهبَه "كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه".

فقد روي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: "يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك" فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" حتى فرغ منها ، قلت له: إنا لسنا نعبدهم! فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟" قال: قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم".


* كاتب وباحث فلسطيني

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s