أثر الحروب والمعاناة على العلاقات الاجتماعية

  د. ناجي شكري الظاظا *

Dr. Naji Shukri Alzaza لا شك أن الانقسام الفلسطيني منذ منتصف يونيو 2007 قد شكل نقطة فارقة في العلاقات الاجتماعية الفلسطينية. لكن حالة من الترابط والمساندة الاجتماعية قد تجلت خلال ثلاثة حروب شهدها قطاع غزة مثلت شكلاً من أشكال العلاج والتطبيب النفسي والحسي بين أفراد المجتمع؛ ولعل ذلك كان مبنياً على تقديم الأهم على المهم، والعودة إلى أصل العلاقة والاستناد على عمقها بدلاً من النظر إلى الطارئ والسطحي منها.

إن الإنسان اجتماعي بطبعه وخِلقته “ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”، كما أنه يميل إلى الأنس بأبناء جنسه حتى وإن كان في جنة الخلد والنعيم المقيم؛ فإن آدم عليه السلام لما كان في الجنة قد استوحش وطلبت نفسه الأُنس! فخلق الله له حواء، وكان قد سألها: “ولِمَ خُلِقت؟!” فقالت: “أُنس لك”. ومما هو معلوم أن طبيعة الأسرة الشرقية تميل إلى التجمع والعيش الجماعي أو المتقارب، فإن الأفراد كثيراً ما يهتم بعضهم ببعضهم حتى في صغائر الأمور عوضاً عن نائبات الزمن والتي تتجلى في الحروب والأزمات، وما أكثرها عند أهل غزة.

المجتمع الفلسطيني لا يمثل استثناءً بل هو امتداد طبيعي لتلك الحالة التي تجعل من المعاناة دافعاً لكل ابداع، وتجعل من مرارة الحرمان رافعةً لنيل المراد وتحقيق الحلم الذي يجمع الشمل ويلم الشعث من جديد

إن بعض الدراسات والاستطلاعات التي تتم في ظل الأزمة أو خلال الحروب أو حتى بُعيدها؛ لا تعبر عن عمق الأثر ونتائج الشعور بوحدة الهم وعموم البلوى ولا تعكس الثقافة الجمعية للمجتمع والتي تعززت عبر أكثر من 67 سنة من معاناة اللجوء ومرارة الحروب، لكنها تعبر –عادة- عن الحالة النفسية لدى الأشخاص، فثمة أثر مؤقت سرعان ما يزول بزوال الحدث؛ مع بعض الآثار الجانبية التي سرعان ما يتجاوزها الإنسان بفطرته التي أنعم الله بها عليه وهي النسيان، ففي الحديث الحسن الصحيح الذي رواه الترمذي في قصة آدم عليه السلام: “جحد فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته”.

ولعله لا يخلو بيت أو أسرة من وجود خلافات ومشاحنات وصلت لحدود ظن أصحابها أنها ستفتك بالنسيج الأسري والمجتمعي، لكنها مع الوقت ومع الاستدراكات الحياتية ومشاركة آلام الحروب ومرارة الحصار عادت العلاقات إلى سابق عهدها -بل وأفضل- مع بعض الدروس المستفادة من الطرفين. وهنا لا أنكر أن ثمة جروح تبقى آثاراها وتمتد إلى فترات طويلة أحياناً، لكنني أتحدث عن العام الغالب.

الحروب والمآسي -بالضرورة- تؤثر في المجتمعات سلباً وإيجاباً، لكن الشعوب عادة تحاول أن تستفيد من تجاربها وتجارب الآخرين لتوظف تلك المعاناة وذلك الألم من أجل صياغة مستقبل أفضل. فلقد كان من انعكاسات الحرب العالمية الأولى على المجتمعات الغربية تعزيز دور المرأة في المجتمع اقتصادياً بالإضافة لدورها الاجتماعي التقليدي، حيث اضطرت للعمل في المصانع ومرافق الانتاج من أجل تعويض النقص في الرجال. ثم ما فتئ ذلك الدور أن امتد للجوانب السياسية والقيادية كاستجابة طبيعية لوجود المرأة الأساسي كمنتج ومشارك في النهضة، وكطبيعة بشرية؛ فقد توارثت الأجيال دور المرأة الجديد في جميع نواحي الحياة. فالتغيرات التي تمتد أفقياً في المجتمعات وتتوارث يكون لها استحقاقاً رأسياً بأن يغير طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تنبني على ذلك الامتداد والتوارث.

ولا أرى أن المجتمع الفلسطيني يمثل استثناءً بل هو امتداد طبيعي لتلك الحالة التي تجعل من المعاناة دافعاً لكل ابداع، وتجعل من مرارة الحرمان رافعةً لنيل المراد وتحقيق الحلم الذي يجمع الشمل ويلم الشعث من جديد في حيفا ويافا والقدس والخليل وغزة، يعيد المهجرين في أصقاع الدنيا إلى أراضيهم في اللد والرملة والمجدل وخانيونس، ويزيل همهم باسترجاع حقهم في قراهم المدمرة في الكوفخة والمحرقة وهوج وحمامة والجورة ودمرة ودير سنيد.


* كاتب وباحث فلسطيني

One thought on “أثر الحروب والمعاناة على العلاقات الاجتماعية

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s