الخصوصية الفردية في الشبكات الاجتماعية بين التفويض والانتهاك

Dr.NajiShukriAlzaza_thumb.png

د. ناجي شكري الظاظا*
يظن كثير من الناس أنه في زمن شبكات التواصل الاجتماعي كـ فيسبوك (2004) وتويتر (2006) قد نسج لنفسه عالماً افتراضياً هو سيده وصاحب قانونه، وما دَرَىْ أنه طوّع نفسه ليصبح حبيس تلك الشبكات؛ فهي التي تضع القوانين وهي التي تتولى صياغة العلاقات بل إنها هي التي تقترح علينا أصدقائنا؛ وأكثر من ذلك فإننا نفوّضها للتواصل مع أصدقائنا نيابة عنا!

مع انتشار استخدام تلك الشبكات وتوسع خدماتها وتعددها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة الكثيرين، بل إنها أصبحت وسيلة التواصل المباشر بين الأفراد من خلال خدمة الدردشة الفورية وخدمة إرسال الملفات، وقد حلت محل البريد الإلكتروني في كثير من المعاملات اليومية، حتى أن المدونين يلجئون لنشر روابط تدويناتهم من خلال فيسبوك وتويتر، وكذا تفعل المواقع الاخبارية والنشطاء في كافة المجالات. ومن المعلوم أن الكثير من المدرسين الجامعيين يلجئون للتواصل مع طلبتهم من خلال الشبكات الاجتماعية وخاصة الفيسبوك، لأنهم ببساطة يستطيعون أن يصلوا إليهم في أسرع وقت ممكن، فالطلبة غالباً متواجدون هناك!

هذا المجتمع الافتراضي الكبير والمترامي الأطراف والمتعدد اللغات والثقافات جعل من الخصوصية أمراً محل نقاش!

لا يدرك الكثير من المستخدمين أن اتفاقيات الخصوصية يتم تعديلها بشكل مستمر، وهي تشتمل على موافقة المستخدم بأن يقوم مزودو الخدمة أو الشبكة الاجتماعية باستخدام بياناته الشخصية والمسجلة لديها لأغراض تجارية أو بما يخدم أهدافها الخاصة دون الحاجة لإعادة طلب الإذن من المستخدم نفسه! فهو قد وافق على ذلك ابتداء عند اشتراكه في الخدمة أو انشائه للحساب الإلكتروني لديها، وهذا موجود في الكثير من الشبكات مثل فيسبوك وتويتر وجوجل بلس وغيرها الكثير.

بل إن شركة جوجل في “سياسة الخصوصية” والتي يجب أن تتم الموافقة عليها لاستخدام أي من خدمات جوجل -بما فيها يوتيوب- تصرح بأن “تعمل الأنظمة التلقائية لدينا على تحليل المحتوى التابع لك (بما في ذلك الرسائل الإلكترونية) بغرض توفير ميزات منتجات ذات صلة بطابعك الشخصي، مثل نتائج بحث مخصصة، وإعلانات مناسبة، وحماية من الرسائل غير المرغوب فيها والبرامج الضارة” وتنص أيضاً أنه “يجوز لنا جمع ومعالجة معلومات عن موقعك الفعلي. نستخدم تقنيات عدة لتحديد الموقع، بما في ذلك عنوان IP وتقنية نظام تحديد المواقع GPS ومستشعرات أخرى قد توفر لـجوجل مثلاً معلومات حول الأجهزة المجاورة ونقاط دخول Wi-Fi وأبراج الهاتف الجوّال القريبة” والكثير الكثير مما تجبرنا تلك الشركات على الموافقة عليه من أجل أن تتمتع بخدماتها!.

صحيح أن أهدافها المعلنة تجارية -وليست أمنية بالضرورة- إلا أن ذلك يشكل نمطاً من الخصوصية يجعلها اسماً بلا مضمون. يقول محمد التكريتي الخبير في شؤون تكنولوجيا المعلومات: “على الجميع أن يفترضوا أنه ليس هناك أية خصوصية على أي نوع من أنواع الشبكات الاجتماعية ومواقع الإنترنت”! ويؤكد ذلك “ماكسيمليان فورت” أستاذ علم الاجتماع في جامعة كونكورديا في كندا. وعندما سأل أحد طلبة المدارس الرئيس الأمريكي باراك أوباما: “عندما أكبر أريد أن أجلس مكانك، هل هناك من نصيحة تقدمها لي؟” فأجاب قائلاً: “أريد منكم أن تكونوا حذرين فيما تنشرونه على فيسبوك، ففي عصر اليوتيوب فإن ما تفعله أو تنشره اليوم سيعرف في مرحلة لاحقة من حياتك، وعندما تكون يافعاً ترتكب أفعالا طائشة! …
هذه نصيحة سياسية أقدمها لك”

وبحسب احصاءات شهر نوفمبر لعام 2013 فإن موقع فيسبوك لا يزال يتصدر الشبكات الاجتماعية من حيث عدد المستخدمين النشطين والحسابات الفعالة، حيث يفيد موقع ديجيتال شاربا بأن فيسبوك لديه 1.19 مليار مستخدم نشط، يتلوه يوتيوب (1 مليار)، ثم جوجل بلس (300 مليون)، في حين جاء تويتر في المرتبة الخامسة (232 مليون).

هذا المجتمع الافتراضي الكبير والمترامي الأطراف والمتعدد اللغات والثقافات جعل من الخصوصية أمراً محل نقاش!. فالمجتمعات الشرقية والعربية خصوصاً تُعتبر مجتمعات محافظة، ففي حين أن بعض المجتمعات الأسيوية يكون السؤال الثاني للمرأة بعد الاسم هو السؤال عن العمر؛ فإن التصريح بالسن لدى النساء العربيات من الأمور الحساسة والتي تعتبر من الخصوصيات. لكن ذلك تم تجاوزه بالفعل ليصل إلى أن المستخدم العربي اليوم ذكراً كان أو أنثى لا مشكلة لديه في وضع صورته الشخصية واستخدام اسمه الحقيقي في حسابه على الشبكات الاجتماعية، بالإضافة إلى الكثير من البيانات التي تحدد هويته وهواياته وميوله الفكرية والاجتماعية كذلك.

clip_image002

إن انتشار الشبكات الاجتماعية واستحواذها على جل الوقت الذي يقضيه المستخدم على الانترنت أوجد حالة من التساهل في الخصوصية الفردية، ومع الوقت تجاوز ذلك المعنى التقليدي للخصوصية؛ والذي كان يُعنى بالحياة الخاصة للمستخدم وضمان تحكمه في المعلومات التي يرغب بإطلاع الغير عليها، بل والتحكم في من له الحق في ذلك؛ ليجعل من حياة المستخدم الخاصة مادة النشر والمشاركة العامة مع الآخرين، بل وأوجدت رغبة لدى بعض المستخدمين للبوح بمشاعرهم في الواقع الافتراضي أكثر مما يفعلوا ذلك في الواقع الحقيقي.

 


* كاتب وباحث فلسطيني

One thought on “الخصوصية الفردية في الشبكات الاجتماعية بين التفويض والانتهاك

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s