المرشد الروحي للحزب الإسلامي الماليزي .. قضى نحبه!

د. ناجي شكري الظاظا*

Dr. Naji Shukri Alzaza تتميز الحركات الإسلامية والدينية إجمالاً بوجود شخصيات مركزية تتمتع بقوة الشخصية وصلابة العقيدة وسعة الفهم وعمق التأثير؛ وفي ماليزيا حيث الطبيعة الخلابة والموارد الغنية والنهضة الصناعية ثمة حركة إسلامية قوية هناك، تشارك في الحكم وتمارس المعارضة في نفس الوقت. فنظام الحكم في ماليزيا "فيدرالي" حيث توجد الحكومة المركزية والبرلمان العام مع وجود ولايات (13 ولاية) لها برلماناتها وحكوماتها المحلية، ومن تلك الولايات ولاية كلانتان دار النعيم التي يحكمها الحزب الإسلامي (باس) منذ 25 عاماً ولا يزال.

يقف على رأس تلك الحركة رجلٌ عُرف بعلمه وفقهه وقوة شخصيته، إنه العلامة الشيخ نئ عبد العزيز المعروف باسم "نئ عزيز"، وهو ليس رجل دين فحسب بل رجل سياسة وحكم؛ فقد تولى رئاسة الوزراء –كبير الوزراء- في ولاية كلانتان مدة 23 سنة متواصلة، وهو الذي لم يسكن بيت الحكومة طوال تلك الفترة حتى ترك منصبه طواعية بعد الانتخابات العامة عام 2013، نتيجة لإصابته بمرض سرطان البروستاتا.

"رحل من عرفه المقربون بالتواضع مع هيبة المقام، رحل من لم يستخدم سيارة الحكومة أو حتى قلمها ليكتب فيه في غير اعمال الحكومة؛ رحل من كان يتبرع بنصف راتبه لأعمال الخير ومعونة المسلمين، رحل رجل وكأنه من زمان غير زماننا!"

في عام 2008 كرمته مؤسسة مكافحة الفساد على جهوده في مكافحة الفساد خلال 18 عام من حكمه للولاية، كما تم تصنيفه كأحد أفضل 50 شخصية إسلامية مؤثرة في العالم تقديراًً لجهوده في خدمة العمل الإسلامي.

كان لي شرف لقائه عدة مرات، بل إنني ذهبت لأصلي خلفه وأستمع إلى دروسه وخطبه، وذلك من شدة ما سمعت عنه، فهو يتكلم العربية بطلاقة ويجيد الوعظ ويؤم الناس في الصلوات ويخطب الجمعة، فبيته المتواضع بجوار المسجد. ذهبت يوماً لصلاة الصبح خلفه في ذاك المسجد فهالني ما رأيت من حضور الناس وكأنها صلاة الجمعة، يأتي الناس طلباً للبركة والدعاء والاستماع لمواعظه المتميزة. رأيت عشرات أوعية الماء التي يضعها الناس ليقرأ الشيخ عليها القرآن طلباً للبركة والشفاء. وما أن خرجت من ذلك المسجد حتى رأيت النساء يحملن أطفالهن ينتظرن الشيخ علهن يحظين ببركة قراءته القرآن على أبنائهن طلباً للشفاء من العلل والأسقام.

ومما سمعت عنه أنه يقيم درساً يوم الجمعة، وهو يوم اجازة في تلك الولاية التي تصنف على أنها إسلامية، فذهبت للحضور فإذا هو درس أسبوعي منتظم في مكان عام، بل هو في الحقيقة شارع رحب ممتد، قريب من السوق، يجلس فيه الشيخ على منصة قد أعدت لذلك الحدث الأسبوعي، ويلبس اللون الأخضر وعليه نقش لشعار الحزب الإسلامي “دائرة بيضاء تتوسط خلفية خضراء”، يعطي موعظته ثم يدعو للمسلمين طالباً لهم الرحمة والمنعة، ولا ينسى أن يدعو الله أن تُمنح ولايته حقوقها من الحكومة الفدرالية، حيث أن الولاية تتمتع بموارد نفطية تطالب من حكومة كوالالمبور أن تمنحهم حصة الولاية منها بشكل عادل.

لم يكن الشيخ رحمه الله رجلاً حزبياً وإن كان زعيماً لحزب سياسي، وأباً روحياً لجماعة إسلامية “جماعة إصلاح ماليزيا”؛ بل كان شخصية عامة تلقى احترام وتقدير الجميع فقد حرص رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق على أن يحضر صلاة الجنازة، كما قام وزير الداخلية ونائب رئيس الحزب الحاكم زاهد حميدي بأداء واجب العزاء وكذا فعل وزير الشباب والرياضة خيري جمال الدين، وقادة التحالف الحاكم في ماليزيا قدموا العزاء لأسرة الراحل والشعب الماليزي بفقد رجل من أعلام ماليزيا الكبار.

رحل رجل ماليزيا وقضى نحبه بعد أن انتظر 84 عاماً قضاها في طاعة الله -وهو حسيبه- رحل من عرفه المقربون بالتواضع مع هيبة المقام، رحل من لم يستخدم سيارة الحكومة أو حتى قلمها ليكتب فيه في غير اعمال الحكومة؛ مقتدياً بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب ومن بعده عمر بن عبد العزيز، رحل من كان يتبرع بنصف راتبه لأعمال الخير ومعونة المسلمين، رحل رجل وكأنه من زمان غير زماننا!


* كاتب وباحث فلسطيني

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s