عروبة القدس وإسلاميتها .. تاريخ ومستقبل

د. ناجي شكري الظاظا*

n00117171-b_thumb[4] القدس شقيقة مكة والمدينة، والمسجد الأقصى شقيق المسجد الحرام والمسجد النبوي، وعبر التاريخ كانت مدينة القدس تعتبر بوابة الحرب وبوابة السلام للمنطقة، وهي معيار القوة والضعف للعالم العربي والإسلامي، فكلما كانت الأمة بصحة وعافية كانت القدس في كنفها وتحت سيطرتها وإذا ما ضعفت الأمة واستكانت كانت القدس بيد عدوها، هكذا هي سنة الله في القدس عبر التاريخ، ولما كانت الأمة في أسوأ حالاتها من الضعف والركود والانهزام فقدت قدسها فاحتل يهود الأرض شقها الغربي في سويعات معدودة عام 1948م وأكملوا احتلالها عام 1967م.

فادعوا أن هيكلهم كان مبنياً على أرض المسجد الأقصى وأن خطتهم هي إعادة بنائه على أنقاض المسجد الأقصى، وهذا ما ينقضه التاريخ وترده حقائق الجغرافية، فاليهود لم يكن وجودهم على أرض القدس إلاّ وجوداً عابراً مؤقتاً، وجود طارئ لم يترك أثراً لحضارة أقاموها أو دولة شيدوها داخل المدينة المقدسة.

"زمن التتار وزمن الصهاينة .. كان انتصار غزة هو ما أعاد للأمة ثقتها بنفسها واستنهض فيها كوامن القوة والعزة والكرامة”

(1) من هنا مرّ الغزاة

فالقدس مباركة من لدن آدم عليه السلام يوم أن بُنِي المسجد الأقصى بعد المسجد الحرام بأربعين سنة كما في الحديث الصحيح. ولما دخل إبراهيم عليه السلام -وما كان يهودياً- أرض فلسطين عام 1805 قبل الميلاد مهاجراً من أرض العراق، كان يحكم فلسطين الملك العربي (ملكي صادق)، وعاش في أرضٍ منحه إياها الملك، عاش حياة آمنة مطمئنة حتى توفي فيها وسميت مدينة الخليل نسبة إليه عليه السلام.

وفي عام 1656 قبل الميلاد خرج يعقوب عليه السلام وذريته إلى مصر حيث يوسف عليه السلام، أي لم يمكث إبراهيم وذريته سوى 149سنة فقط وهم جميعاً ليسوا من اليهود. وعاش بني إسرائيل في مصر 400 عام حتى خرج بهم موسى عليه السلام عام 1220 قبل الميلاد فراراً من ظلم فرعون وعبوديته. ومات موسى عليه السلام في تيه سيناء ولم يدخل بني إسرائيل مدينة القدس إلا عام 920 قبل الميلاد بقيادة داوود عليه السلام، ومن بعده ابنه سليمان عليهما السلام الذي بنى أول معبد لهم يُعبد اللهَ فيه.

هذا المعبد الذي يسمونه (الهيكل) لم يكن في مدينة القدس على الإطلاق، وهذا ما تؤكده أيضاً النصوص عندهم؛ فكتبهم تقول أنه كان في بيت إيل (بيت الإله) وهي منطقة قرب رام الله حيث يقيم الصهاينة الآن مستوطنة بيت إيل، ومنهم من يقول أنه بني قرب نابلس حيث يقطن اليهود السامريون اليوم. وبعد أن حفروا الأرض من تحت المسجد الأقصى وقلّبوا مدينة القدس لم يجدوا أثراً ولو حتى صغيراً يدل على وجوده في القدس.

إن هذا المعبد قد هُدم على يد الملك البابلي (نبوخذ نصر) سنة 585 قبل الميلاد، ثم أخذ اليهود سبايا إلى بابل في العراق. وبعد مئات السنين من السبي في العراق عادوا إلى فلسطين وبنوا لهم هيكل؛ سرعان ما هدمه الملك الروماني (تيتس) عام 70 ميلادي. بل إن القائد الروماني (هدريانوس) في العام 135م حرث أرض الهيكل بالمحاريث فلم يبق له أي أثر، وقد زاد على ذلك أن شرّع قانوناً ينص على ألاّ يَسكن في القدس يهودي بعد اليوم، وبقي هذا القانون سارياً حتى دخل الخليفة عمر بن الخطاب مدينة القدس فاتحاً عام 637م. جيث أكيد عليه نصارى القدس في العهدة العمرية كشرط لتسليمهم مفاتيح المدينة للمسلمين دون حرب أو قتال، فهو نفس شرط (هدريانوس) قبل 700 عام تقريباً والقاضي بألاً يسكن في القدس بعد اليوم اليهود أو اللصوص.

ومضت العهدة العمرية بشرطها، حتى كان لليهود وجود عابر غير ذي أثر في القدس زمن الإحتلال الصليبي للمدينة لم يتجاوز 91 سنة (1096م-1187م).

(2) البحث عن السراب

ومن يوم 5 يونيو/حزيران 1967م وحتى يومنا هذا 2015م أي قرابة 48 عام ومدينة القدس تحت الاحتلال الصهيوني، فمن أول يوم للاحتلال وهم يحفرون الأرض وينقبون تحت الركام وينبشون القبور بحثاً عن أثر لحضارتهم المزعومة أو دليلاً على حقهم التاريخي في المدينة المقدسة فلم يجدوا ولن يجدوا، فعمدوا إلى تهجير سكانها وتهويد معالمها، أملاً في طمس حقائق التاريخ وتشويهاً لذاكرة الأيام. لقد استمرت الحفريات سرية ودون إعلان حتى افتتح رسمياً أول نفق تحت أساسات المسجد الأقصى على يد رئيس وزرائهم نتنياهو سنة 1996م.

ومن الغريب أن حاخامات اليهود كانوا يحرمون على اليهود دخول المسجد الأقصى المبارك لأنهم يعتقدون أن الهيكل كان مبنياً تحت قبة الصخرة المشرفة وهو ما يعرف عندهم بـ “قدس الأقداس”، فإذا ما دخل اليهودي الأقصى فإنه سيدوس فوق الهيكل “قدس الأقداس”. لكنّ تلك الفتوى قد تغيرت، فهي تجبر اليهود على زيارة المسجد الأقصى ضمن حملة "شد الظهر" التي بدأت في أبريل 2009م، وهي حملة تهدف -بزعمهم- إلى تطهير جبل الهيكل من (دنس العرب).

(3) غزة تفدي القدس

عبر التاريخ كانت كرامة القدس تنسج من دماء غزة وحرية القدس كانت تبنى من تراب غزة، ففي غزة كانت أول معركة هزم فيها التتار في يوليو/تموز 1260م على يد القائد المملوكي بيبرس، وقد شكل ذلك الانتصار صدمة قوية للزحف المغولي وبشرى للأمة، فبعد أن فعل التتار الأفاعيل بالأمة حتى أنه لم تكد تقف مدينة أو قرية أمام التتار حتى تنهار وتهزم، وساد العالم الإسلامي يومئذ مقولة "إذا سمعت أن التتار قد هزموا فلا تصدق"، حتى أن أحد أمراء الترف والانهزام يومها أراد أن يتقرب إلى (هولاكو) ويؤكد له حسن الولاء، فبعث إليه بهدية وهي حذاء مكتوب أسفله اسم ذلك الأمير، ومعه رسالة يقول فيها: إنه فعل ذلك لكي يتشرف عندما يدوس هولاكو على اسمه. وقد تمكن المغول من احتلال الشام دون مقاومة تذكر، وعندما وصلوا إلى غزة بعث هولاكو برسالة إلى حاكم مصر سيف الدين قطز يقول فيها:"اتعظوا بغيركم، وأسلموا إلينا أمركم، فنحن لا نرحم من بكى، ولا نرق لمن شكى، أي أرض تؤويكم! وأي طريق تنجيكم! وأي بلاد تحميكم! فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص، الحصون عندنا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يُسمع".

نعم كان انتصار غزة يومها هو ما أعاد للأمة ثقتها بنفسها واستنهض فيها كوامن القوة والعزة والكرامة، وبعد شهرين فقط في سبتمبر/أيلول 1260م كانت معركة عين جالوت الشهيرة في سهل بيسان شمال فلسطين، حيث انتصر المسلمون على التتار أعظم انتصار، فكان صمود غزة وانتصارها هو ما عصم القدس وحماها من أن تسقط أو تحتل. وتعود غزة اليوم من جديد، تحمي القدس والأقصى، تدافع عن كرامة الأمة، تستنهض فيها كوامن القوة وتبعث فيها روح المقاومة والجهاد. يعود الجيل القرآني الذي يعيد للأقصى مكانه في واجهة الصراع.

(4) للأقصى شيخ وصلاح

وفي زمن ذلّت فيه الأمة وانهزمت أمام أعدائها حتى ليقف القائد الإنجليزي (ألنبي) ليقول في أول تصريح له من القدس:"اليوم انتهت الحروب الصليبية"، ويقف القائد الفرنسي(غورو) على قبر صلاح الدين ليركله بقدمه ويقول: "ها قد عدنا يا صلاح الدين" ويصل الأمر إلى أن يقول الجنرال الصهيوني (موشيه ديان) من مدينة القدس متباهياً بانتصاره "محمد مات خلف بنات".

فالمصلى المرواني الذي حوله الصليبيون اسطبلاً لخيولهم، ولا زالت آثار حلقات الحديد في أعمدته وعلى جدرانه، تُرك 800 سنة مهجوراً تسكنه الطيور والحشرات حتى أن روث الحمام والغبار بلغ فيه متر ونصف، تم تنظيفه وترميمه وافتتاحه عام 1999م برعاية الشيخ رائد صلاح، شيخ الأقصى والقدس، وهو يتسع الآن لستة آلاف مصلٍ وساجد.

نعم كانت القدس ولا تزال عربية إسلامية لم ولن يعمّر فيها اليهود، حررها عمر بن الخطاب وعهد فيها ألا يسكنها يهود أو لصوص، أوقف خراجها على الأمة، نتشرف أن ننتمي لها ونتقرب إلى الله بالدفاع عن كرامتها من جديد، فالأمة الإسلامية أمة ودود ولود.


* كاتب وباحث فلسطيني

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s