المهارات الشخصية واحتياجات سوق العمل في عالم التقنية

المهارات الشخصية واحتياجات سوق العمل في عالم التقنية

د. ناجي شكري الظاظا*

يهتم كل متقدم للعمل بأن يُضمّن في سيرته الذاتية أكبر عدد من الخبرات العلمية ومهارات التخصص الفنية. وفي الحديث عن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فإن الخريجين يحرصون على الحصول على أكبر عدد من الدورات التدريبية في البرمجة والتصميم والشبكات. حيث أن اتقان البرمجة بأكثر من لغة برمجة؛ والمهارة العالية في استخدام معظم برامج التصميم الجرافيكي المشهورة؛ كما أن الاحاطة بأنظمة الشبكات السلكية واللاسلكية تركيباً وإدارة، كل ذلك يعطي الخريج والمتقدم للعمل فرصة أفضل للحصول على فرصة عمل، باعتبار أن صاحب العمل يحتاج إلى من يقوم بالمهام جميعاً بنظام 5 في 1.

كل ذلك صحيح من وجهة نظر الطالب الخريج! غير أن أرباب العمل والمشغلين لديهم شيء فوق ذلك! فهم ليس لديهم شك في قدرات المتقدم للعمل من الناحية الفنية والتقنية Hard Skills، لكنهم يبحثون عن ما يحفظ لهم استدامة الإنجاز واستمرار الإبداع ضمن فريق العمل في شركاتهم ومؤسساتهم. ففي دراسة أجريت على 348 مدير في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات حول أهم المهارات التي يهتمون بها في قبول الموظفين، تبين أن أول 10 مهارات ترتيباً –من بين 32 مهارة- كانت مهارات شخصية Soft Skills يأتي بعدها المهارات الفنية والتخصصية. ولعل من أهم المهارات التي أظهرتها الدراسة هي مهارات الاتصال والتواصل، ومهارات الفهم والتحليل، والقدرة على العمل في فريق، والمرونة والتكيّف في بيئة العمل، وكذلك التفكير الإبداعي.

على الخريجين الاهتمام بتنمية مهاراتهم الشخصية بشكل فعال خلال دراستهم الجامعية، وعلى المعلمين والمدرسين والمدربين أن يهتموا بإكساب طلبتهم والمتدربين المهارات الشخصية

وبالنظر إلى الدراسات والتقارير التي تهتم بـ“معدل فشل مشروعات تكنولوجيا المعلومات” نجد أن 51% من المؤسسات التي طبقت نظام تخطيط موارد المؤسسة ERP قد فشلت في مرحلة ما بعد التطبيق نتيجة لعدم قدرة الموظفين والمستخدمين للاستفادة من الأنظمة لتحسين عملهم. فقد عبر 46% من المشاركين في إحدى الدراسات أن مؤسساتهم لم تنجح في توظيف التقنيات الجديدة كنتيجة مباشرة لمقاومة الموظفين للتغيير وعدم قدرتهم للتكيف مع بيئة العمل الجديدة. ومن ذلك يمكننا القول أن نجاح المبرمجين والمصممين في انتاج أنظمة ذات مستوى عالي من حيث التقنية والدقة في العمليات، وجمال في التصميم، لا يعني أن النظام قد نجح في المؤسسة، حيث أن مهارات الأشخاص في التكيف والاتصال والتواصل والعمل كفريق من مستلزمات نجاح العمل في المؤسسة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن 232 مؤسسة قد شاركت في الدراسة آنفة الذكر تتنوع بين حكومية، تكنولوجيا معلومات واتصالات، ومالية، وخدمات عامة، ورعاية صحية.

في دراسة أعدتها مؤسسة الميرسي كور عام 2013 حول احتياجات سوق العمل للاقتصاد الرقمي في قطاع غزة، ظهر أن أنه “لا يوجد لدى الخريجين الجدد المهارات الشخصية المطلوبة لسوق العمل”، وتبين الدراسة أن المهارات الشخصية –أو ما تسميه الدراسة مهارات الأعمال- يأتي في المرتبة الثانية بعد المهارات الفنية بل إنها أكثر أهمية من الخبرة العملية والدرجة العلمية والشهادات التدريبية. وعند سؤال أرباب العمل عن رضاهم عن موظفي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لديهم أكدوا أنهم راضون بشكل مناسب عن “المعرفة النظرية” للموظفين في حين أنهم غير راضين أبداً عن مهاراتهم الشخصية، بل لقد رتبوها في آخر سلم الرضى عنهم.

وعند تصنيف دراسة الميرسي كور لحاجة الخريجين للنجاح في سوق العمل فيما يتعلق بالمهارات الشخصية فقد كانت على ثلاثة مستويات: مستوى هام جدا (فجوة كبيرة)، ومستوى متوسط (فجوة متوسطة)، ومستوى عادي (فجوة صغيرة). فكانت مهارات التحليل التجاري، والتفكير الإبداعي، وحل المشاكل، والأخلاق المهنية والاتصال والتواصل، والعمل ضمن فريق هي من أهم المهارات الشخصية اللازمة لسوق العمل الفلسطيني. ويأتي في مستوى الاهتمام المتوسط مهارات خدمة العملاء، التخطيط، واللغة الإنجليزية، وإدارة المشاريع، وإدارة التغيير، والكتابة الفنية. أما مهارات التسويق والعرض فقد كانت ضمن المستوى العادي للاهتمام.

يتضح مما سبق أن سوق العمل يولي اهتماماً كبيراً للمهارات الشخصية لدى الموظفين وطالبي العمل، باعتبار أن من يتقدم للعمل لابد أن يكون لديه المهارة الفنية المطلوبة -غالباً- غير أن المنافسة الحقيقية هي في قدرة المتقدم للوظيفة على اقناع رب العمل بقدراته الشخصية على تلبية احتياجات المؤسسة أو الشركة للاستمرار في خدمة الزبائن وتقديم الخدمة بأفضل شكل، من خلال حسن التعامل مع الزملاء والعملاء على حد سواء، وكذلك القدرة على التكيف مع بيئات العمل المختلفة، فإن فرق العمل لا يتم تكوينها بناء على رغبات الأعضاء بل بناء على احتياجات المهمة المطلوبة.

إن على الخريجين الاهتمام بتنمية مهاراتهم الشخصية بشكل فعال خلال دراستهم الجامعية، وعلى المعلمين والمدرسين والمدربين أن يهتموا بإكساب طلبتهم والمتدربين المهارات الشخصية التي تناسب المادة التعليمية والتدريبية التي يقدمونها لهم خلال فترة الدراسة أو التدريب، وهنا لا بد من التنويه إلى أن من فاته شيء من هذا فيمكنه أن يَستدرِك، وأن ما لا يُدرك كُلّه لا يُترك جلّه، وكذا فإن فرص العمل لا تنضب وفرص الحياة لا تزال مفتوحة رغم ما قد تعانيه من فترات ضيق وتراجع أحياناً، فما دامت الشمس تشرق من الشرق وتغرب من الغرب فإن الأمل لا يزال موجوداً، والفرص لا تزال تتجدد.


* كاتب وباحث فلسطيني

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s