قصة أيوب عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء 

هو أيوب ابن موص ابن رازح ابن العيص ابن اسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام، فهو من ذرية اسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، يقول الله سبحانه وتعالى عن ابراهيم عليه السلام: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ) (الأنعام:من الآية84) فجميع أنبياء بني إسرائيل من ذرية إسحاق عليه السلام، ما عدا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الوحيد من ذرية اسماعيل، ويعقوب عليه السلام يسمى (إسرائيل)، وعليه عندما يقال بني اسرائيل يراد بذلك ذرية يعقوب عليه السلام.

وأيوب عليه السلام كان نبياً مرسلاً: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً) (النساء:163) بعثه الله تعالى إلى قوم حُوران في الشام، وكان عليه السلام قد آتاه الله سبحانه وتعالى من أصناف الغنى والنعيم، العبيد والخدم، الأنعام والدواب، وأعطاه الأراضي والتجارة الرابحة ورزقه كثير الذرية فكان له سبع أولاد وسبع بنات، وكان صاحب صحة موفورة وقوة جسم عظيمة، ورجل بهذه الصفات يحرض الناس جميعاً على مصاحبته ومصادقته، وهذا ما كان بالفعل.

ابتلاء أيوب

ثم إن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبتليه ليكون اختباراً له، ويكون قدوة للناس من بعده في الصبر، فكان الابتلاء بأن: فني ماله حتى صار فقيراً، ومات أولاده الواحد تلو الآخر، أربعة عشر يموتون جميعاً في حياته، فسبحان الله إن الإنسان يموت له ولد فيتأثر ويحزن عليه حزناً شديداً، وقد رأينا كيف أن يعقوب عليه السلام كيف حزن على فراق يوسف حتى فقد بصره من الحزن، أما أيوب عليه السلام ففقد أربعة عشر من أولاده!! لكن الابتلاء هو سنة الله في أهل الدعوة، فيبتلى المرء على قدر دينه، وفي الحديث عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الأنبياء ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ"([1]).

ثم إن الله سبحانه وتعالى ابتلاه بالمرض الشديد حتى أُقعد فلا يستطيع القيام، فوصل به الابتلاء الشيء العظيم حتى أن لحمه ليتساقط من جسده، فلم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه يذكر الله عز وجل بهما، وفقد الأصحاب فما عاد أصحابه يأتونه، وخافوا أن يكون هذا المرض الذي أصابه مُعدي، وما بقي له إلاّ صاحبان يحدّثانه من بعيد فما يقتربان منه، وما كان أحد يخدمه إلاّ زوجته الوفيّة، كانت هي التي تطعمه وتشربه وتغسّله وتنفق عليه من مالها حتى فني مالها كله، فجعلت تعمل بالأجرة، تخدم الناس لكي تطعم زوجها النبي المرسل.

صبر أيوب

واستمر أيوب عليه السلام في هذا البلاء ثمانية عشر سنة وهو صابر لا يشتكي لأحد حتى لزوجته، سنين طويلة على هذا الحال وهذا الفقر وهذا الأذى وهذا المرض فقالت له زوجته: أنت نبي مرسل لو دعوت الله عز وجل لفرّج عنك هذه الكربة العظيمة، فما كان يدعو حتى بالتفريج، كان فقط يحمد الله على حاله، فما يقول يا رب ارزقني، يا رب اشفني، ما كان يدعو حتى بذلك، راضٍ بقضاء الله فيه، فقال لها:كم لبثنا في الرخاء، قالت: سبعين سنة، قال: إني أستحي من الله أن أدعوه ما مكثت في بلائي المدة التي مكثتها في رخائي، قد عشت سبعين سنة صحيحاً، فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة؟ فجزعت الزوجة من هذا الكلام، كانت تتأمل الفرج، فقالت: إلى متى هذا البلاء، فغضب عليها وأقسم بالله أن يضربها مائة سوط إن شفاه الله، كيف تعترضين على قضاء الله؟ ووصل بها الأمر إلى أنّ الناس ما عادوا يستأجرونها، خائفين أن تنقل البلاء من زوجها.

فزاد حالهم سوءاً من بعد سوء، وفي يوم أتت له بطعام فاستغرب من أين الطعام؟ فلم تخبره، وكانت قد ذهبت فباعت ضفيرتها (شعرها) حلقت نصف شعرها وباعته لكي تأكل هي وزوجها، وبعد أيام انتهى الطعام، فذهبت وحلقت باقي شعرها وباعته فتعجب: من أين لك الطعام؟ هل اشتغلت عند أحد؟ قالت: لا، قال من أين الطعام؟ فسكتت،فألح وألح فكشفت عن شعرها فإذا هي حليقة الشعر، عندها لما وصل به الأمر إلى هذا الحال، قال قولة ليس فيها دعاء صريح، يذكرها الله سبحانه وتعالى في الكتاب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء:83) أصابني البلاء وأنت أرحم الراحمين، ما قال ارزقني، ما قال اشفني، بل قال هذا حالي وأنت رحيم معين، أنت أعلم بحالي مني: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ([2]) وَعَذَابٍ) (صّ:41) ما نسب البلاء لله، ونسب ذلك للشيطان حتى ينزّه الله، وهو بذلك أظهر الحال فقط دون الشكوى.

وجاء الفرج

عندها استجاب الله سبحانه وتعالى له فوراً، انظروا.. فقد كان يستطيع أن يدعو في أي لحظة ويستجيب الله سبحانه وتعالى له، لكنه صبر على أمر الله، ولذلك يضرب به المثل على مدى التاريخ: "صبر أيوب" عليه السلام. وكشف الله سبحانه وتعالى عنه العذاب ووصف له العلاج: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) (صّ:42) اضرب برجلك الأرض، وضرب برجله الأرض فنبعت عيناً باردة خرجت من الأرض، فشرب منها واغتسل، يقول العلماء: فلما اغتسل ذهب المرض من خارجه ولما شرب ذهب المرض من داخله، نعمة من الله سبحانه وتعالى، ووقف صحيحاً سليماً، ورجعت له صحته كما كان.

فلما جائت زوجته ما عرفته، رأت رجل فقالت له: أي بارك الله فيك! هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ فوالله القدير على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه له منك إذ كان صحيحاً، قال: ويحك أنا أيوب، قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك أنا أيوب قد رد الله عليّ جسدي.

ذهب البلاء فى لحظات، فالأمر لا يعدوا كونه: كُنْ فَيَكُونُ، وأعاد الله له نعمة الأصل، فرجع ماله ورجع أهله ورجعت صحته نعمة من عند الله عز وجل بعد هذا الصبر العظيم الذي صبره: (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (صّ:43) وقال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء:84).

ويقول ابن عباس: "وردّ الله عليه ماله وولده بأعيانهم، ومثلهم معهم" ويقول أيضاً في حق زوجته: "رد الله إليها شبابها وزاده حتى ولدت له ستة وعشرين ولداً ذَكَراً"، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ"([3]).

ومن رحمة الله بزوجته، وإبراءً لقسم أيوب عليه السلام – لما غضب عليها- قال له: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً([4]) فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ([5]) إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (صّ:44) خذ حزمة من القش فيها مائة قشة فاضرب به زوجتك تكون قد وفيت بقسمك.

ذَكَر ابن جرير أن أيوب عليه السلام لما توفي كان عمره ثلاثاً وتسعين سنة، وقيل إنه عاش أكثر من ذلك. وقد روى ليث عن مجاهد وكذلك ابن عساكر ما معناه: أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه السلام على الأغنياء، وبيوسف عليه السلام على الأرقّاء، وبأيوب عليه السلام على أهل البلاء([6]).


([1]) رواه الترمذي.

([2]) التعب والشقاء.

([3]) رواه البخاري.

([4]) الضغث: القصب من الخشب الرقيق، أعواد الخشب من القش فيها الردئ وفيها الجيد.

([5]) ولا تحنث:أي بذلك تكون قد وفيت بقسمك، حيث كان قد أقسم أن يضرب زوجته مائة سوط.

([6]) ابن كثير.

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

2 thoughts on “قصة أيوب عليه السلام

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s