مقاصد الشارع لا مقاصد الناس

د. ناجي شكري الظاظا*

Dr. Naji Shukri Alzaza تمر البشرية بمتغيرات متسارعة لا تستثني شأناً من شئون البشر الحياتية المعيشية،  أو الجماعية التنظيمية، أو الدولية السياسية. تلك المتغيرات التي تصاحب تغير اهتمامات الناس وتطور أفكارهم وتراكم احتياجاتهم في ظل تعقيدات الحياة التي لا تزال تتزايد جيلاً بعد جيل، بل يوماً بعد يوم. ففي الوقت الذي يبحث فيه إنسان عن مصلحته تجد إنساناً آخر يقف له معترضاً على حقه، معتبراً أن تلك المصلحة تفسد مصلحته هو! وفي هذا قال المتنبي قديماً: بذا قضت الأيام ما بين أهلها .. مصائب قوم عن قوم فوائد

لكن ذلك على مستوى الأفراد مستساغ في العاديات باعتباره من “ملح” الحياة وطبيعتها المتدافعة، قال تعالى: “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين”. أما عندما يكون الأمر متعلق بالنظر إلى مصالح الناس التي تتعارض مع نصوص الشريعة! وهنا يحسن تقرير أن مصالح الناس ظنية لا قطعية، تتبدل بحسب معتقدهم ومستوى وعيهم، وطبيعتهم النفسية، في مقابل نصوص الشريعة القطعية. إن الشريعة الإسلامية تقصد إلى حفظ خمسة أشياء مقررة عند العلماء: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

"إن مقاصد الشريعة قطعية الدلالة مقدمة على مقاصد الناس الظنية، فالشرع مقاصده وُجِدت لتحفظ للناس معاشهم في الدنيا وترعى مصالحهم الحياتية من غير تكلف ولا تنطع، والناس نظرتهم للمصلحة والمقصد قد يشوبها جنوح أو تطرف أو حتى خروج عن الفطرة السليمة"

فقد كان أهل الجاهلية في جزيرة العرب يرون المصلحة في وأد البنات وحرمان الإناث من الميراث، بل إنهم يرون الثأر للمقتول من غير القاتل هو الأنكى في خصمهم وتلك هي المصلحة في عرفهم. كما أن الرومان كانوا يجيزون أن يستَرِقّ مدينه في الدين ويأخذه عبداً في مقابل دينه، كان ذلك في زمن الإمبراطورية الرومانية التي كانت في أعلى مستويات عظمتها حاكمة ومهيمنة!.

ولا يزال القانون الأمريكي يرى المصلحة في إطلاق حرية الموصي في وصيته حتى ولو أوصى بكل ماله وتركته لعشيقته حارماً بذلك ورثته القانونيين يتكففون الناس!. وفي مقالي بعنوان: “جاهلية الفكر لا جاهلية العقيدة” ذكرت أن في عصرناً الحديث من يرى أن المصلحة في زواج المثليين بل إنهم “يجاهرون بزواج المثليين في دول تدعي العلم وتباهي بمدنية العمران ورفعة “الأخلاق”، حتى أنهم شرعوا ذلك ووضعوا له قوانين مدنية تحمي ذلك الزواج الشاذ عن الفطرة والمنافي لحفظ النوع واستمرار النسل. إن أكثر من 18 دولة أقرت قوانين ذلك الزواج الشاذ من أشهرها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وجنوب أفريقيا وإسرائيل وإسبانيا والدنمارك. بل إن بعض الكنائس باركت ذلك الزواج في مخالفة صريحة للمعتقد المسيحي واليهودي”.

إن نصوص الشريعة منها القرآن ومنها السنة ومنها قواعد المذاهب الفقهية، وكلها تخضع لمسألة القطعي والظني في الثبوت والدلالة. ومن المقرر أنه “حيث يوجد شرع الله فثم مصلحة العباد”، غير أن القول بأنه “حيث مصلحة الخلق فثم شرع الخالق” صحيح شريطة أن لا تتعارض تلك المصلحة مع نص قطعي لا ظني.

ومن صور مراعاة الشريعة لمصالح الناس في ظل عدم توفر نص قطعي الثبوت أو الدلالة، ما ذكره القرضاوي في باب السياسة الشرعية أن “جمهور الفقهاء يقولون بجواز قتل المسلم إذا تترس به الكفار ولم يكن من قتالهم بد” مراعاة لمصلحة العموم إذا غلب الظن أن العدو مجهزٌ عليهم لا محالة بعد الظفر من جند المسلمين. كما رأينا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد صالح نصارى بني تغلب على أن يأخذ منهم ضعف مقدار زكاة المسلمين تحت مسمى الصدقة لا الجزية، وهو ما أقره عليه الصحابة بل لم يخالفه أحد منهم، مغلباً مصلحة المسلمين في دعم خزينة المسلمين وتحصيل المقصود من الجزية وإن تغير اسمها، ويظهر ذلك من تعليقه على ذلك: “هؤلاء القوم حمقى؛ رضوا المعنى وأبو الاسم”.

إن مرونة أحكام الشريعة التي تدور مع مصالح الناس تراعي الزمان والمكان والأشخاص، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث في أول الأمر خشية اختلاطه بالقرآن، فلما زال السبب أذن لبعضهم بالكتابة. كما أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه -سياسة منه- ألزم الصحابة أن ينقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا اشتغلوا به عن القرآن.

وفي زماننا اشترطت الشريعة توثيق عقد الزواج ليكون صحيحاً، وكذلك توثيق عقود الملكية وقوانين ولوائح مزاولة المهنة وغيرها مما يحفظ مصالح الخلق، حيث لا نص قطعي ولا ظني يصرح بها، ودون سابقة زمانية أو مكانية. وهنا نرى الشريعة حافظة للمصلحة تحت سلطة الحاكم المسلم حيث “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، ويجمل القرضاوي القول بأن حاجة الناس في وضع قوانين تفند “الأحكام التعزيرية التي تركها الشرع لتقدير الأئمة والقضاة في كل مخالفة شرعية أو معصية لا حد فيها ولا كفارة”.

إن مقاصد الشارع الحكيم قطعية الدلالة مقدمة على مقاصد الناس الظنية، فالشرع مقاصده وُجِدت لتحفظ للناس معاشهم في الدنيا وترعى مصالحهم الحياتية من غير تكلف ولا تنطّع، والناس نظرتهم للمصلحة والمقصد قد يشوبها جنوح أو تطرف أو حتى خروج عن الفطرة السليمة.


* كاتب وباحث فلسطيني

2 thoughts on “مقاصد الشارع لا مقاصد الناس

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s