قصة يونس عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

هو يونس بن متى، ولم يُذكر نسبه مفصلاً كما ذكر نسب الآخرين غير أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام، ويسمي كذلك "ذو النون"، والنون هو الحوت، ويسمي كذلك صاحب الحوت.

أرسله الله إلي قرية نينوى في شمال العراق، مقابل الموصل، يفصل بينهما نهر دجلة: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الصافات:139) وكانت أعدادهم كبيرة: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) (الصافات:147) فكانوا مائة وعشرين ألف (120,000) وقيل أكثر من ذلك كلهم على الكفر، فدعاهم يونس عليه السلام إلى الله كما دعا الأنبياء والمرسلون من قبل، ومكث في ذلك زمناً، لكنهم ما استجابوا.

ثم إنهم تجبروا وطغوا فهدّدوه بالأذى والتنكيل، فأنذرهم بعذاب الله، وأمهلهم ثلاثة أيام وترك القرية مغادراً غضباناً عليهم، لكن الله سبحانه وتعالى أمره أن ينذرهم ثلاثة أيام ولم يعطه الإذن بأن يخرج فـ"خرج مغاضباً من أجل ربه، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه"([1]): (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) (الأنبياء:من الآية87).

كثير من الناس يخطئ في فهم قوله تعالى: "فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ" فيعتقد أن المقصود أن يونس عليه السلام ظن عجز الله عنه، بل المقصود أنه ظن أن الله لن يضيّق عليه، وأنه عندما يخرج بدون إذن لن يعاقبه الله عز وجل لأنه نبي كريم، فهؤلاء قوم يستحقّون العقاب وعليهم غضب الله، وقد نزل عليهم الإنذار، وهذا المعنى يتضح من قول الله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) (الطلاق:7) يعني من ضيق عليه رزقه.

يقول سيد قطب: "أرسل إلى قرية فدعا أهلها إلى الله فاستعصوا عليه فضاق بهم صدراً وغادرهم مغاضباً ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم، ظانّاً أن الله لن يضيق عليه الأرض، فهي فسيحة والقرى كثيرة والأقوام متعددون، وما دام هؤلاء يستعصون على الدعوة فسيوجهه الله إلى قوم آخرين"([2]).

 

نينوى تدرك نفسها

وخرج يونس عليه السلام بلا إذن من الله، وترك قومه وهو غضبان عليهم وذهب إلى البحر، بعد ذلك بدأت علامات العذاب تظهر على نينوى، فأغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم، فعرفوا أن العذاب سيحل بهم كما توعّدهم يونس عليه السلام، فخافوا نزول العذاب يقول ابن كثير في وصف حالهم: وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم، فلبسوا المسوح وفرّقوا بين كل بهمية وولدها، ثم عَجُّوا إلى الله عز وجل، وصرخوا وتضرعوا إليه، وتمسكنوا لديه، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات.

وجأرت الأنعام والدواب والمواشي: ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحملانها، وكانت ساعة عظيمة هائلة، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: "بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالم حتى أن الرجل كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده إلى صاحبه".

فرحمهم الله سبحانه وتعالى وصرف عنهم العذاب: (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (يونس:98)لم يؤمن من قبل قوم يونس، أهل قرية بكاملها بعد أن كذّبوا نبيهم، فقد شكلوا حالة فريدة في التاريخ، "وهم وحدهم في تاريخ الدعوات الذين آمنوا جملة بعد تكذيب، فكشف عنهم العذاب الذي أوعدهم به رسولهم قبل وقوعه بهم"([3])، ويقول ابن كثير في معنى الآية السابقة: هلاّ وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكاملها؟ فدّلّ على أنه لم يقع ذلك" إلا لقوم يونس، بل قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) (سـبأ:34).

يونس إلى السفينة

أما يونس عليه السلام، فما يدري ما الذي حدث في قومه، فذهب إلي البحر: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (الصافات:139-140) كلمة "أبق": تطلق على العبد عندما يهرب من الرق، فالذي يهرب من سيده يسمونه "العبد الآبق"، ويونس عليه السلام هرب من الله عز وجل، ما انتظر أوامر الله، وترك قومه يريد البحر، وهناك لجأ إلي سفينة تريد الإبحار وقد كانت مزدحمة وثقيلة من كثرة الأحمال: (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) وسارت السفينة، وفي الطريق هاج البحر وماج وكادوا أن يغرقوا، فقالوا: تخففوا من الأحمال، فأخذوا يرمون بضاعتهم، فخفّت السفينة لكن ما زالت بحاجة لمزيد تخفيف، قالوا: لابد من إلقاء بعض البشر حتى تخف السفينة، واتفقوا على عمل قرعة، فمن خرجت عليه القرعة يلقى في البحر، وأول من وقعت عليه القرعة كان يونس عليه السلام، فقالوا: هذا رجل عليه آثار الصلاح اتركوه ولا ترموه، نقرع مرة أخرى فاقترعوا مرة أخرى فخرج سهم يونس فتعجبوا! فقالوا مرة أخرى، فاقترعوا مرة ثالثة فخرج سهم يونس: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ([4])) (الصافات:141) يعني مرة تلو المرة وفي كل مرة يُغلب.

يونس في بطن الحوت

فقالوا لا مناص، لابد من رميه، فرموه أو ألقى هو بنفسه من السفينة فهدأ البحر: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ([5]) وَهُوَ مُلِيمٌ) (الصافات:142) "فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها، ولما استقر يونس في بطن الحوت حسب أنه قد مات، ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه، فإذا هو حي فقام فصلى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: يارب اتخذتُ لك مسجداً في موضع لم يبلغه أحد من الناس"([6])، وأوحى الله سبحانه وتعالى أوامره إلى الحوت: "لا تأكل له لحماً ولاتهشم له عظماً، ليس رزقاً لك"([7])

وتجمعت عليه ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء:من الآية87) فجعل التسبيح عمله وشغله: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (الصافات:143-144) وقيل: أنه عندما نزل به الحوت في أعماق البحر كان يسمع تسبيح المخلوقات، فكأن الله سبحانه وتعالى ألهمه أن سبّح.

كل هذا لأنه خرج بدون أن يستأذن؟ نعم لأنه رسول، والرسول لا بد أن ينفذ أوامر من أرسله بدقة فأي مخالفة لمن أرسله يستحق عليها العقاب، ففي هذه القصة تذكير لكل داعية في كل زمان ومكان أن يلتزم بأوامر الله عز وجل بدقة، وأن يلزم التسبيح في كل شأنه وخاصة عند المحن وفي ذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ"([8])

وفي الحديث عن سعد بن مالك –وهو ابن أبي وقاص- رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (هل أدلكم على اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، و إذا سئل به أعطى؟ الدعوة التي دعا بها يونس، حيث نادى في الظلمات الثلاث: (أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فقال رجل: يا رسول الله هل كانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا تسمع قول الله عز وجل: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)([9]).

يونس على الشاطئ

واختلفوا في مقدار مالبث في بطن الحوت، أقل الروايات على أنه التقمه ضحى ولفظه عشية، وقيل ثلاثة أيام، وقيل سبعة،والبعض قال أربعين، فلمّا استجاب له الله عز وجل، قذفه الحوت على الشاطىء وقد أصابه الإعياء والمرض: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ) (الصافات:145) وقيل أنه ذهب جلده، فسقط بهذا الحال لا يستطيع الحركة، فتحدث له المعجزات: تنبت شجرة عنده (وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ) (الصافات:146) اليقطين يقال له الدباء: وهو نوع من أنواع القرع، قال عنه المؤرخون: أوراقه كبيرة فكانت له ظلاً، وغطاءً فلا تؤذيه الشمس أو الريح، ولليقطين رائحة طيبة تؤنسه، وتطرد الحشرات، ومن مميزاته أنه يؤكل نيّاً ومطبوخاً، بقشره وببذره وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ، فاختار الله سبحانه وتعالى هذه الشجرة حتى تحميه من الأذى بأصنافه.

ويقول المفسرون كذلك: أرسل الله تعالى له أروية: وهي أنثى الوعل، والوعل هو الغزال الكبير، فكانت تأتيه بُكرة وعشية حتى تصل إليه فتفتح رجليها فوقه وتنزل ضرعها في فمه فيشرب، فكان هذا طعامه وشرابه، وظل على هذا الحال إلى أن شفي من بلائه، رحمة من الله.

فلما عادت إليه صحته أرسله الله إلى قومه مرة أخرى فوجدهم كلهم على الإيمان: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (الصافات:147-148).

درسٌ للحبيب

والدرس العظيم للنبي صلي الله عليه وسلم ومن ثم لكل الدعاة والمصحلين من أمته، أن لا ييأس من دعوة الناس، بل عليه أن يصبر على أذاهم حتى يظهره الله عليهم فيسلموا أو ينصره عليهم: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (القلم:48) فأنت عليك الدعوة والله عليه الهداية: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص:56) ودرس عظيم في الثبات على الدعوة والثبات على الإسلام.

ثم إن الله سبحانه وتعالى اصطفاه وطهّره واختاره: (لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القلم:49-50) يقول النبي صلي الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه الإمام البخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى" فلا يقل أحد من الناس هو يأس وأنا لم أيأس، فالله سبحانه وتعالى اجتباه واصطفاه وجعله من الصالحين.


([1]) تفسير القرطبي.

([2]) في ظلال القرآن.

([3]) في ظلال القرآن.

([4]) المدحض: المغلوب.

([5]) الحوت: السمكة الكبيرة، وليس بالضرورة أن يكون الحوت الذي نعرفه، فالسمكة الكبيرة تسمى حوتاً.

([6]) ابن كثير.

([7]) المرجع السابق.

([8]) رواه الترمذي.

([9]) رواه الحاكم.

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

One thought on “قصة يونس عليه السلام

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s