قصة موسى عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

قصة موسى عليه السلام هي من أعظم القصص التى ذكرت في القرآن الكريم، وهى قصة منثورة في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثة وسبعين موضعاً، وموسى عليه السلام نبي رسول من أولى العزم من الرسل، ويسمى "كليم الله".

يقول الله سبحانه وتعالى: (طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (القصص:1-3) وهذه الآيات فيها موعظة وذكرى للمؤمنين وفيها إنذار ووعيد للفاسقين المنحرفين عن منهج الله سبحانه وتعالى، وقد استخلصه الله لنفسه واصطفاه من بين الخلق لكلامه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً) (مريم:51).

نسبه ووصفه

هو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ليس بينه وبين يعقوب مسافة طويلة وكان كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم فى حديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَأَيْتُ عِيسَى ومُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ"([1]).

فكان فى منتهى القوة حتى قيل أنه كان بقوة عشرة رجال، وكان من صفاته كذلك أنه عندما يتكلم يتلعثم أو يجد عقدة وحبسة في الكلام، وهذا ما قصده فرعون بقوله: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ) (الزخرف:52) لكن ما منعه ذلك من أن يكون نبياً رسولاً من أولي العزم من الرسل وفى الآية الأخرى: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) (القصص:34) استعان بقوة طلاقة لسان هارون، وسنرى هذا عندما نأتى لتفاصيل هذه القصة.

بني إسرائيل .. قبل موسى

بدأت قصة بني اسرائيل بعد هجرة يعقوب عليه السلام وبنيه من الشام الى مصر في زمن يوسف عليه السلام: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (يوسف:99) هاجر يعقوب وزوجه وأبناؤه إلى مصر حيث كان يوسف وزيرها الأول، بل كان حاكمها الفعلي، واستقروا فيها.

يقول المؤرخون أن بني إسرائيل دخلوا مصر وتعدادهم ستة وثمانون شخص ثم تناسلوا وتكاثروا، فلما خرج بهم موسى عليه السلام من مصر كانوا ستمائة ألف، وكان ملك([2]) مصر في زمن يوسف عليه السلام اسمه الريّان بن الوليد([3])، وكان يثق بيوسف عليه السلام ثقة عظيمة فكان مفوضاً الحكم له، وكان يكرمه إكراماً عظيماً، رغم أنه يعرف أن يوسف ليس على دينه، فهو يذكر ليوسف فضله فيوسف هو الذي أنقذ البلاد من مجاعة مهلكة، ولذلك كان لبني إسرائيل مكانة عظيمة فى مصر.

وزوجة فرعون هي آسيا بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد([4])، ومؤمنة لكنها عاشت مع فرعون وهي كارهة له (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (التحريم:11)، وعن فضلها جاء في حديث أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ([5]) عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ"([6]) وفي حديث الترمذي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ" فآسيا كانت صالحة مؤمنة رضي الله عنها وأرضاها.

وكان فرعون جباراً كافراً وصل به الجبروت والكفر إلى شئ لم تصله البشرية أبداً، أنه ادعى الألوهية من دون الله عزوجل: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (القصص:38) وقال: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) (النازعـات:24) فنازع الله سبحانه وتعالى في ألوهيته وفي ربوبيته (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الزخرف:51) ويقول الله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:4) فقد قَسَّم الناس إلى طبقات ومن أقل الطبقات في ذلك الزمان كان بنو إسرائيل، أذلّهم ذلاً شنيعاً فجعلهم جميعاً عبيد، من بعد ما كانوا كالملوك فى مصر، فكان يستعملهم في السُّخرة، يعملون كالأرقاء، ونساؤهم إماء يأخذ منهن ما شاء، وجعل هذا حكماً عاماً ليس فقط له وإنما للطبقة العالية من الأقباط المصريين، والأقباط هم المصريون القدماء.

أما عن اسم فرعون الذي كان يحكم مصر زمن موسى عليه السلام؛ فقد قيل أنه "رمسيس الثاني"، وقيل غير ذلك، والحقيقة أنني وقفت على عدة أبحاث اهتمّت بتقصي هذه الحقيقة؛ اعتماداً على الأدلة والروايات التاريخية؛ والاستنباطات اللغوية؛ وروايات أهل الحديث وأقوال المفسرين؛ فوجدت أنّ الخلاف أوسع من أن يُحصر، ولكلٍ أدلته واستنباطاته التي لها وجاهتها؛ حتى أنّ بعضها يصل إلى أن فرعون هو اسم وليس لقب ولهذا وجاهته أيضاً وهو ما أميل إليه باعتباره أقرب من الناحية العقلية وحتى النقلية؛ لكن التفصيل يخجنا عن سياق الكتاب، حيث أن تحديد اسم فرعون أو كنهه لا ينبني عليه عمل أو نُسُك([7]).

ولنعد إلى القصة.. حيث أن بني اسرائيل كانوا ينتظرون الخلاص من هذا الذل الذى هم فيه، بالبشارة التي كانت عندهم، البشارة تقول: سيأتى غلام من بيت فرعون يخلصكم من فرعون، وقيل أن البشارة جاءت على رؤيا رآها فرعون، فعن ابن عباس: "أن فرعون رأى في منامه كأن ناراً قد أقبلت من نحو بيت المقدس فأحرقت دور مصر وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والحذقة والسحرة وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان"([8]).

موسى الرضيع

"وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور، وخشي أن يفنى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يَلُون ما كان بنو إسرائيل يعالجون، فأمر فرعون بقتل الأبناء عاماً وأن يتركوا عاماً، فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم، فضاقت أمه به ذرعاً واحترزت من أول ما حبلت، ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل، فلما وضعت أُلهمت أن اتخذت له تابوتاً فربطته في حبل وكانت دارها متاخمة للنيل، فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته إليها به"([9]) والوحي هنا بمعنى الإلهام: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7) ما نزل عليها الوحى كما يظن بعض الناس، بل ألهمها كما أوحى الله إلى النحل: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل:68-69).

سمع الأصمعي يوماً جارية تنشد أبياتاً من الشعر فقال: ما أفصحك، قالت: لا فصاحة بعد قول الله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) فيها خبران وأمران وبشارتان في جملة واحدة.

موسى إلى قصر الطاغية

وبدأ الطلب والبحث يشتد على بنى اسرائيل فخافت أم موسى على رضيعها فوضعته في تابوت وألقته فى اليم لكنها نسيت أن تربط طرف الحبل عندها، كما كانت تفعل في كل مرة تخاف عليه. وشاء الله أن يلقي به النهر إلى قصر فرعون: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) (القصص:8) والخاطئ غير المخطئ، المخطئ: يخطئ بلا قصد، الخاطئ: يخطئ عمداً.

عرفت آسيا زوجة فرعون أن هذا من بني إسرائيل، لا كما تروي الإسرائيليات أنها أخفت هذا عن فرعون، بل عرف أنه من بني إسرائيل من أول لحظه، "وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يَتجرّأْنَ على فتحه حتى وضعنه بين يدي "آسيا" امرأة فرعون، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حباً شديداً جداً، فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه، فاستوهبته منه ودفعت عنه "وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ" فقال لها فرعون: أما لك فنعم وأما لي فلا، أي لا حاجة لي به، والبلاء مُوكَّل بالمنطق، وقولها: "عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا" وقد أنالها الله ما رَجَتْ من النفع، أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه"([10]) أخذته آسيا ولم تكن تنجب، فكانت تشتاق للولد: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص:9).

أمّا أم موسى فقد خلي قلبها من الانشغال بكل شئ إلاّ بذكر موسى، وعزفت عن الدنيا وعن الطعام وعن كل شئ فما عاد في قلبها شيئ سوى موسى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص:10) كادت أن تنادي في الشوارع واابناه، لكن الله سبحانه وتعالى ثبّتها لتكون من المؤمنين، وهداها إ لى أن تأمر ابنتها لتقتفي أثره قرب النهر بحذر شديد: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص:11).

موسى إلى حضن أمه

عندما أخذوه في القصر، أتوه بكل المراضع، فأبى أن يرضع من أي واحدة منهن، فاخذوه إلى السوق يبحثون عن أى إمرأة ترضعه، طفل سيهلك إذا لم يرضع: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) (القصص:12) وكانت أخته تتابع الأمر عن بعد، "قال ابن عباس: لما قالت ذلك قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه؟ فقالت: رغبة في سرور الملك، ورجاء منفعته، فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمه، فلما أرضعته التقم ثديها، وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهب البشير إلى آسيا يعلمها بذلك، فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تحسن إليها فأبت عليها، وقالت إن لي بعلاً وأولاداً، ولست أقدر على هذا، إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها ورتّبت لها رواتب، وأجرت عليها النفقات والهبات، فرجعت به تحوزه إلى رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها"([11]) (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (القصص:13).

كَبُرَ موسى في قصر فرعون ولمّا صار شاباً فى الثامنة عشر من عمره كان حليماً عليماً: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص:14) أخطأ بعض المفسرين لمّا قالوا: صار نبياً، كلاّ كان مؤمناً على دين بنى إسرائيل على دين يعقوب وإبراهيم، وما كان على دين فرعون، فهو يعلم أنه من بني إسرائيل والناس يعرفون كذلك لكنه فقط يعيش عند فرعون.

موسى يقتل القبطي

ذات يوم كان موسى يسير خارج القصر وحده في وقت لم يكن فيه من عادة الناس الخروج، قيل وقت الظهيرة وقيل فى الليل: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) (القصص:15) وجد رجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من المصريين، فاستعان به الإسرائيلي على المصري، فأخذت موسى الحميّة، وقد كان الإسرائيليون مستضعفون من قبل المصريين، والآن يأتي هذا المصرى أمام عينيه يستضعف الاسرائيلي!! فهجم على المصري ولكمه يريد أن يدفعه عن الإسرائيلي فقط، ولم يكن موسى عليه السلام مُقدّراً لقوته، فقد كان في منتهى القوة: (بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى) فتعجب موسى: من لكمة واحدة مات الرجل!! فقال: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) ما قصدت أن أفعل هذا، الشيطان هو الذي جعلنى لا أقدّر قوتي وأفعل هذا الأمر المنكر بقتل إنسان، إذاً كان يعرف ضلال الشيطان ويعرف أنه عدو للإنسان.

فاستغفر وتاب من هذا الذنب الذى لم يقصده: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (القصص:16) قطع لله عهداً ألاّ يعود لمثلها: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) (القصص:17)، لكنه خاف أن يُقتل بهذه الفعلة: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (القصص:18) فإذا به يشهد في اليوم الثانى نفس الرجل الإسرائيلي يتقابل مع مصرى مرة أخرى، قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، لكن أيضاً أراد أن يدافع عن الإسرائيلي: (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) (القصص:19) أراد أن يبطش بالمصرى، قال المصرى: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ، إذاً الخبر كان منتشراً.

لم يكن فرعون يحب موسى أو يرغب في وجوده في القصر، بل أبقاه من أجل آسيا، وحتى سادة القوم من آل فرعون كانوا يبغضونه كونه من بني إسرائيل، وقد حانت الفرصة للتخلص منه، فتآمروا عليه، إلاّ أن الله سبحانه وتعالى هيأ لموسى صاحباً من حاشية فرعون كان يحب موسى حباً شديداً، جاء لينذر موسى من مكر فرعون وزبانيته: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (القصص:20).

موسى إلى مدين

اشتد الطلب والبحث عن موسى عليه السلام، فأرسل فرعون الجنود والجواسيس للبحث عنه والقبض عليه (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:21) فاستجاب الله سبحانه وتعالى دعاءه وهداه السبيل.

خرج في الصحراء متوجهاً إلى مدين([12]) دون علم منه، فهو لم يكن قد خرج من مصر قبل ذلك، خرج وليس معه طعام ولا ماء ولا دابة يركبها، فسار من النيل إلى فلسطين ماشياً على قدميه حتى تقطعت نعاله فأكمل المسير حافياً، قال ابن عباس: "سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر وكان حافياً فسقطت نعلا قدميه من الحفاء وجلس في الظل –وهو صفوة الله من خلقه- وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شق تمرة"([13]).

وكان الله قد هداه إلى طريق مدين فوصل إلى حدودها، حيث الآبار وعيون الماء يسقي الناس منها دوابهم ويأخذوا حاجتهم منها للمدينة، وكان من ضمن الناس على الماء ابنتا شعيب عليه السلام، كانتا تنتظران فراغ الرجال وانتهاء الزحام على الماء لتستسقيا: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ([14]) قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص:22-23).

قال المفسرون: أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة، فتجئ هاتان المرأتان فلا تستطيعان رفعها، فتستسقيان من فضل ماء الناس، "فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر كما كان، قال أمير المؤمنين عمر: وكان لا يرفعه إلا عشرة –يقصد من الرجال- وإنما استقى ذنوباً واحدا فكفاهما"([15]).

بعد أن سقا لهما جلس تحت شجرة يدعو الله أن يرزقه من فضله: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص:24) ثم عاد ابنتا شعيب إلى أبيهما وأخبرتاه بالخبر، فرجعت إحداهن إلى موسى عليه السلام بأمر من أبيها: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:25) وهذا خلق المرأة المسلمة المؤمنة، ليست الجرأة ورفع الصوت بين الرجال، عندما تتكلم مع الرجال تستحي وتخفض صوتها وتمشي بتأنّي.

زواج موسى

وفي الطريق من شدة حيائها كانت تسير وراءه وهو يسير أمامها، فلما وصل إلى شعيب وأخبره القصة وبما حدث له في مصر قال: "لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" عندها (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص:26) "لما قالت ذلك قال لها أبوها وما علمك بهذا؟ فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال: كوني من ورائي فإذا اختلف الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق"([16]).

وفي الفراسة قال ابن مسعود: "أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته "أَكْرِمِي مَثْوَاهُ" وصاحبة موسى حين قالت "يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ" وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب"([17]).

فلما رأى شعيب عليه السلام هذا من موسى أحب أن يكافئه بأن يزوجه ابنته، وقد كان عليه السلام فقيراً ليس عنده كثير مال، فكان المَهر هو العمل عند شعيب عشر سنوات: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القصص:27) فوافق موسى عليه السلام: (قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (القصص:28) جاء عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ أَيَّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قُلْتُ لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى حَبْرِ الْعَرَبِ فَأَسْأَلَهُ، فَقَدِمْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَالَ فَعَلَ([18]).

على جبل الطور .. يتلقى الرسالة

بعد أن انتهت سنوات الأجرة العشرة، وكان قد انتهى البحث عنه في مصر، قرر عليه السلام أن يعود إلى موطنه مصر حيث أمه وأخته وأخوه: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (القصص:29) في طريقه هو وزوجته إلى مصر ضلاّ الطريق فلم يهتديا لسلوك الدرب المألوف، وفي ليلة مظلمة شديدة البرودة رأى من بعيد في أعلى الجبل ناراً، فقال لأهله أن يجلسوا وهو سيذهب ليرى الأمر، لأن صعود الجبل أمر صعب وكانت زوجه حامل في ذلك الوقت: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) (طـه:9-10) وقال تعالى في آية أخرى: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (النمل:7) تقدير الله سبحانه وتعالى هو الذي ضيّعه في الطريق وجعلها ليلة مظلمة باردة حتى يعطيه النبوة.

وصل إلى النار وإذ بمشهد عجيب جداً من أعجب المشاهد التي وصفت في القرآن، نور يتأجج في شجرة خضراء من العوسج، وهناك سمع النداء الرباني في أعظم ما يكون بين الإنسان والرب سبحانه، لا يدانيه شك ولا يقاربه شيء، فأمره أولاً بخلع نعليه تعظيماً وتكريماً لتلك البقعة المباركة ولاسيما في تلك الليلة المباركة: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) (طـه:11-16) وفي آية أخرى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (القصص:30).

ثم قال له مخاطباً ومؤانساً ومبيناً له أنه القادر على كل شيء، وأن الذي يخاطبه هو الذي يقول للشيء كن فيكون سبحانه وتعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) (طـه:17-20) وفي آية أخرى: (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) (النمل:10) وكذا في سورة القصص: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) (القصص:31) فألقاها فإذا هي حية عظيمة ذات أنياب تتحرك حركة سريعة جداً كأنها جان، هرب موسى وترك المكان، حتى أنه لم يلتفت وراءه خوفاً وفرقاً، فناداه ربه عز وجل: "يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ" (قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) (طـه:21) خذها ترجع كما كانت عصا، ثم أراه آية ومعجزة أخرى: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) (طـه:22) وفي آية: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ) (القصص:32) نفس المعني: "وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ": أدخل يدك تحت ابطك " وقوله "اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ": أدخل يدك في فتحة الثوب إلي أن تصل إلي ابطك، موسى فعل ذلك، أدخل يده من داخل الثياب إلى أن وصل إلى ابطه، فلما أخرج يده وإذ بها تشع بنور عظيم كأنها القمر بلا أذى أو عيب، فيرجعها مرة أخرى فيذهب النور، إذا أخرجها أشع النور وإذا أدخلها يختفي النور، يتحكم في النور كما يشاء.

ويذكر ابن كثير في ذلك: "إذا خفتَ فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك، وهذا وإن كان خاصاً به إلا أن بركة الإيمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء" فكانت العصا واليد برهانان ومعجزتان من الله: (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى) (طـه:23).

وهنا يبدأ التكليف بمهمة الرسالة: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً) (طـه:24-35)، يقول ابن كثير: "قيل: إنه أصابه في لسانه لثغة، بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه، التي كان فرعون أراد اختبار عقله، حين أخذ بلحيته وهو صغير، فهمّ بقتله، فخافت عليه آسية، وقالت: إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها، فسَأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ولم يسأل زوالها بالكلية، قال الحسن البصري: (والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة) ولهذا بقيت في لسانه بقية من ذلك، ولذا قال فرعون قبحه الله فيما زعم إنه يُعيب به الكليم: وَلا يَكَادُ يُبِينُ".

وطلب عليه السلام أن يوحي الله إلى أخيه هارون ليكون سنداً وعوناً "وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلاً يقول لأناس وهم سائرون في طريق الحج: أيُّ أخٍ أمَنُّ على أخيه؟ فسكت القوم، فقالت عائشة لمن حول هودجها: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون فأوحى إليه، قال الله تعالى: "وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً"([19]) وهنا تأتي الموافقة المباشرة من الله على مطالب موسى عليه السلام: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (طـه:36) وفي موضع آخر: (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) (القصص:33-35).

مواجهة فرعون

هذه مهمة صعبة لا تقوى عليها النفس البشرية من دون عون الله ومدده، وهذا ما عبر عنه موسى عليه السلام لما أمر بدعوة فرعون وزبانيته: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ) (الشعراء:10-17) وكان أن ثبتهما الله وأمدهما بالآيات وطمأنهما أنه معهما يسمع ويرى.

"ذكر السدي وغيره: أنه لما قدم من بلاد مدين دخل على أمّه وأخيه هارون وهما يتعشيان من طعام فيه "الطفشيل"، وهو اللفت فأكل معهما، ثم قال: يا هارون إن الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته فقم معي، فقاما يقصدان باب فرعون، فإذا هو مغلق، فقال موسى للبوابين والحجبة أعلموه أن رسول الله بالباب، فجعلوا يسخرون منه ويستهزؤن به، وقد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلا بعد حين طويل"([20]) فأدخلوه على فرعون فعرفه، فجعل يسرد عليه ماضيه: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (الشعراء:18-19) وهنا يحاول فرعون أن يشوه سمعة موسى من خلال ذكر حادثة قتل القبطي، لكنها محاولة فاشلة، فقاتل النساء والأطفال، السفاح الذي لا يبالي بالقتل والتشريد والإرهاب، يعيب على موسى خطأ –يمكن التأول له- وكان ذلك في رد موسى عليه: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ) (الشعراء:20-22) فموسى اعترف بخطئه وتحمل في مقابل ذلك ترك الوطن سنوات خوفاً من فرعون وانتقامه، حيث لا عدل ولا قانون يضمن لموسى محاكمة نزيهة، أما عن تربية فرعون لموسى في قصره فهذه لا تساوي شيئاً أمام استعباد فرعون لبني إسرائيل جميعاً في أعماله وخدمته الخاصة.

عند ذلك يصل الحوار إلى النقطة المفصلية وهي أن موسى ذكر أن هناك رب قد وهب له حكماً وجعله من المرسلين: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (الشعراء:23-28) ونلاحظ هنا أن موسى جعل يذكر أشياء ليس لفرعون سبيل إليها مثل: "السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا"، "الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا" وهذا مما يجب على الداعية أن يتعلمه من استخدام الأدلة الأقوى مستبعداً الأمور الجدلية التي قد يتم تأويلها.

لذلك عندما وصل الأمر إلى هذا الحد بدأ فرعون يشعر بالخطر: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء:29) وهذا منهج الطغاة دائماً، تأتيهم بالحجة والبرهان والدليل، فيكون الحل سجون وإرهاب وتعذيب، وهذا ما يفعل بأمتنا في كثير من بلاد المسلمين اليوم فرّج الله عنها، لكن موسى عليه السلام لا يترك الأمر بمجرد التخويف والتلويح باستخدام القوة، بل يصمد أمام الطاغية متسلحاً بما آتاه الله من حكمة وبيان وأدلة مادية باهرة: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الشعراء:30-31) إذاً أصبح الوقت مناسباً للمواجهة وإظهار الآيات واستخدام المعجزات.

وفي موضع آخر يحاول فرعون أن يحتج بكفر السابقين على بطلان ما يقول موسى، فيأتي الرد بأنهم وإن عبدوا غير الله فليس ذلك بحجة لك يا فرعون، فأنت تعلم أن الله عذبهم وأهلكهم وكل فعلهم مسطر في كتاب لا يضل عنه شئ: (فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى) (طـه:47-54).

لم يكن فرعون وحده المعني بالرسالة، بل له بطانة كذلك: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (غافر:23-24) كان فرعون الملك، وهامان الوزير، وكان قارون إسرائيلياً من قوم موسى إلا أنه كان على دين فرعون وملئه، وكان ذا مال وغنى فاحش، وستأتي قصته فيما بعد إن شاء الله.

إذاً طلب فرعون أن يرى الآيات فكان له ذلك: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ) (الأعراف:107-108) فانبهر فرعون ومن حوله "حتى قيل: إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد وخوف عظيم بحيث أنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم، وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوماً إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال"([21]) لكن فرعون فوراً استرد أعصابه ظاهرياً وخاف أن يفتن الذين معه: (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوَىً * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً) (طـه:56-59) وهذا الذي كان يريده موسى عليه السلام ليدعو كل الناس، فالداعية كل ما يريده هو أن يخلي الطغاة والظالمين بينه وبين الناس وهم بعد ذلك يختاروا لأنه: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:256) وقد سعى كفار مكة للحول بين دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وبين الناس فكانوا يحرضون الناس والوفود العربية التي كانت تؤم مكة ألاّ يسمعوا أو ينصتوا لصوت الدعوة: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (فصلت:26)، فكان اليوم هو يوم الزينة وهو يوم عيد عندهم، في الضحى حيث الشمس شديد ضياؤها، هو الموعد المرتقب للعرض الحي للآيات والمعجزات من موسى بتأييد من الله عز وجل.

موسى والسحرة

جاء فرعون بأربعين ساحر كما روى ابن عباس، كان قد اختارهم فرعون وهم صغار، وأجبرهم على تعلم السحر عند كبار السحرة حتى أصبحوا هم كبار السحرة من بعد، قيل أن عددهم ثمانون ألفاً وقيل سبعون ألفاً وروي عن ابن عباس أيضاً أنهم سبعون رجلاً وقيل غير ذلك، فوعظهم موسى عليه السلام بترك هذا الكذب وتوعدهم بعذاب الله: (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) (طـه:60-62) فاجتمع السحرة بالسر يتحدثون بدون حضور فرعون، واختلفوا بينهم حول قدرتهم على هزيمة موسى إذا كان هو فعلاً نبي صادق، لكنهم في النهاية أجمعوا أمرهم على مواجهة موسى فذهبوا إلى فرعون: (وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (الأعراف:113-114) وعدهم ورغّبهم بأن يجعلهم من خواصّه ومقربيه بعد أن ينتصروا على موسى عليه السلام، فطمعوا وخطبوا في أنفسهم، قالوا عن موسى وهارون: (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى) (طـه:63-64) مشهد رهيب، سبعون ساحر يتقدمون وهم ينادون "وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى" كأنها معركة حربية، وموسى واقف وحده ومعه هارون والناس بالآلاف يرقبون.

حتى قال السحرة: (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) (طـه:65) فأوحى الله سبحانه وتعالى لموسى أن دعهم هم يلقوا أولاً: (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طـه:66) فرموا العصي والحبال وكل ما استطاعوا جمعه واستعماله في السحر: (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) (الشعراء:44) وإذ بالعصي والحبال تتحرك وتهتز بشكل عجيب كأنها تسعى حتى أن موسى عليه السلام سحره المشهد: (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف:116) كل من رأى المشهد سُحر وأخذه الذهول حتى موسى عليه السلام، لكن الله سبحانه وتعالى ثبته على الحق: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (طـه:67-69) فتحولت العصا إلى حية ضخمة تبتلع كل ما صنعوا من سحر.

عندما رأى السحرة هذا المشهد عرفوا أنّ هذا ليس سحراً وإنما هو معجزة من عند الله: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) (طـه:70) أربعون ساحر -على أقل تقدير- أمام الناس كلهم سجدوا، ليس بمحض إرادتهم، بل الله سبحانه وتعالى أكفأهم على وجوههم، وهذا نلمسه من قوله تعالى: " فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً " فما قال: "فسجد السحرة"، قال سعيد بن جبير وغيره: " لمّا سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة تُهيأ لهم، وتزخرف لقدومهم، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون وتهديده ووعيده "([22]).

الكفر رغم المعجزة الباهرة

فلما رأى فرعون هذا السجود غضب غضباً شديداً، لكنه لم يستسلم بل تمالك نفسه وحاول أن يستدرك الموقف، فهو يريد مخرج من هذه المصيبة التي أصابته، فخطب متوعداً السحرة: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى) (طـه:71) كيف تؤمنوا بغيري قبل أن تستشيروني أو تأخذوا الإذن مني، بل هذه خيانة من السحرة واتفاق مسبق مع موسى للإطاحة بي: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) (الشعراء:49) وفي آية: (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (الأعراف:123).

فانظر إلى وسائل الإعلام كيف يمكنها أن تقلب الحقائق؛ فتجعل من الداعية إلى الحق والمصلح مجرماً يستحق العقاب والعذاب، بينما تجعل من الطاغية المستبد الذي يحكم الناس بالنار والحديد صاحب حق وولاية؛ تجب طاعته عل كل حال.

وهكذا تدخّل فرعون فوراً وقلب الأمور بالتهديد والوعيد والافتراء والكذب –وهذه عادة الطاغية والمستبد- فردوا عليه رد الواثق بربه: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طـه:72) فالسحرة اعترفوا بأن فرعون هو الذي استكرههم على السحر وأجبرهم عليه: (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) (طـه:73-75) وفعلاً أمر فرعون بقتل السحرة هؤلاء جميعاً، يقول ابن عباس عن السحرة: " كانوا من أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة "([23]) السحرة هم من القلة القليلة من القبط (المصريين) الذين آمنوا.

العذاب يشتد على بني إسرائيل

بعد هزيمة فرعون المنكرة أمام موسى، لجأ فرعون إلى الملأ وبطانة السوء للتشاور، فأشاروا عليه بزيادة العذاب على بني إسرائيل: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) (غافر:25) بدأ البلاء مرة أخرى على بني إسرائيل وخاصة الذين آمنوا منهم بعد أن تأكد له صدق الرؤيا بأن غلاماً من بني إسرائيل يأخذ ملكه، وجعل يستهزئ بموسى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26) ولهذا يقول الناس على سبيل التهكم: "صار فرعون مذكِّراً"، أصبح فرعون واعظاً، سيد الفساد يدّعي حمل لواء الإصلاح، لكن موسى عليه السلام استعاذ بالله عز وجل وما ضعف وما استكان: (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) (غافر:27).

هنا يتدخل رجل مؤمن من آل فرعون بلسان الناصح لقومه: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر:28-29) وهذا الرجل هو ابن عم فرعون([24])، وكان يكتم إيمانه من قومه خوفا منهم على نفسه، فدعاهم دعوة العقل والمنطق، وكاد أن يفقد بها حياته، وكاد فرعون أن يبطش به لكن الله سبحانه وتعالى حفظه: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) (غافر:45)، لكن فرعون لم يتعظ وأصر على استخدام وسائله البالية ومنهجه الأعمى، معتداً برأيه –كما كل الطغاة- فقال: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ.

إلى هذه اللحظة لم يؤمن بموسى أحد حتى من بني إسرائيل، فكل همهم الآن التخلص من ظلم فرعون بأي ثمن فموسى مهمته في دعوة قومه لم تبدأ بعد ولم يعطه الله أدوات الدعوة وبناء المجتمع ومن أهمها التوراة التي تمثل الدستور والمنهج لهم فيما بعد، فالآيات تركز على فرعون وقومه: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) (يونس:83) يقول ابن عباس: "لم يؤمن من القبط بموسى إلا هذا -يقصد مؤمن آل فرعون- والذي جاء من أقصى المدينة يسعى وامرأة فرعون"([25])، والباقي كلهم على الكفر.

فبني إسرائيل يستملكهم الخوف من فرعون، وهم حتى هذه اللحظة لم يروا أنهم ناجون من فرعون: (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف:129) فما يملك موسى إلاّ أن يصبرهم ويعدهم بالحرية والخلاص من ظلم فرعون: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (يونس:84-85).

آيات العذاب على القبط

بعد هذه المواجهة المباشرة بين الحق الذي يمثله موسى وهارون عليهما السلام وبين الباطل الذي يمثله فرعون وزبانيته، وصل الأمر إلى المفاصلة كما في كل قصص الأنبياء، فأرسل الله سبحانه وتعالى أصناف العذاب على فرعون وقومه من دون أن يصيب بني إسرائيل منه شئ، فكانت تسع آيات كما ذكر في سورة الإسراء: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً) (الاسراء:101) الآية الأولى العصا تحولت إلى حية، والثانية اليد تخرج بيضاء من غير سوء، والثالثة سنوات القحط، والرابعة نقص من الثمرات، وخمس أخرى هي: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.

وفي كل آية من آيات العذاب يستجيب فرعون لمطلب موسى أن يترك بني إسرائيل ليخرجوا من مصر بأمان، فيدعو موسى ربه فيستجيب الله الدعاء ويرفع العذاب، فيعود فرعون لينكث العهد وهكذا: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (الأعراف:134-136).

الآية الأولى: الطوفان: فاض النيل وبدأ يغرق مصر إلا ديار بني إسرائيل، يأتي الطوفان يصل إلى بيت الإسرائيلي فيتوقف ولا يضره شيئاً، يأتي بيت المصري فيغرقه، آية يرونها بأعينهم، غرقوا بالطوفان وبنوا إسرائيل بينهم ما يصيبهم شيء، فكل ما نزلت آية يستدعون موسى ليرفع عنهم البلاء، فيستجيب ويدعو الله، فيرفعه الله ويصرفه عنهم.

الآية الثانية: الجراد: هجم الجراد على مزارع وحقول المصريين فأهلكها، أما مزارع بني إسرائيل فلم يمسّها مكروه، وهكذا يدعو موسى الله فيرفع البلاء.

الآية الثالثة: القمل: قيل هو السوس وقيل القمل المعروف الذي يصيب الرأس والأخير هو الأشهر، انتشر في رؤسهم القمل وفي أجسادهم، ولا يصيب بني إسرائيل شيء من ذلك، فأصابهم بلاء شديد، يأتي الرجل يريد أن ينام في فراشه فيجده مملوء بالقمل.

الآية الرابعة: الضفادع: انتشرت الضفادع بين المصريين لكنها لا تصيب الإسرائيلين بشئ، والضفادع معلوم أن صوتها مزعج، يفتح الرجل الإناء فإذا فيه ضفدع، يريد أن ينام في فراشه فيجد فيه ضفادع، يريد أن يأكل فتسقط في إنائه ضفدع، مشاهد عجيبة ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بها.

الآية الخامسة: الدم: وهي آخر الآيات، التي استسلم لها فرعون ورضخ وقد كان في كل آية يعاند، يأتي الإسرائيلي ليستسقي من النيل ماءً طيباً، والمصري يغرف فإذا الماء قد تحول دم، فانقطع عنهم الماء، أصبحوا يطلبون الماء من بني إسرائيل، فيأتي المصري يطلب من الإسرائيلي الماء، فيصب الإسرائيلي الماء للمصري فيتحول دم.

رغم أن كل الناس من المصريين والحاضرين يرون هذه المعجزات؛ إلاّ أنهم لم يؤمنوا: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) (الأعراف:130-133).

موسى يتجهز للخروج

فأوحى الله إلى موسى وأخيه هارون عليهما السلام أن يتخذا لقومهما بيوتاً متميزة فيما بينهم عن بيوت القبط ليكونوا على أهبة الاستعداد للرحيل إذا أمروا به: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:87) فعندما وافق فرعون على شرط موسى عليه السلام بإرسال بني إسرائيل مقابل رفع البلاء، خرج بنو إسرائيل جميعاً وقد جاءت الأوامر بالخروج ليلاً، فبدأوا يطرقون على الأبواب، فهم يعرفونها بالعلامات، كان التحرك بالليل حتى لايغير فرعون رأيه كما في كل مرة، وفعلاً بدأ الانطلاق، فكانت حركة بشرية عظيمة، حيث كان عدد بني إسرائيل، كما قال علماء التفسير ستمائة ألف (600,000) مقاتل غير الذرّية، وجنود فرعون مليون وستمائة ألف (1,600,000) مقاتل، وكان بين دخولهم مصر مع يعقوب عليه السلام إلى خروجهم مع موسى أربعمائة وستاً وعشرين (426) سنة([26]).

ولما أصبح الصباح وأشرقت الشمس وإذ بفرعون يتنبه لما جرى، كيف سمح لبني إسرائيل أن يذهبوا؟! من سيخدمنا؟ من سيكونوا عبيدنا؟! يقول الله سبحانه وتعالى: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ) (الأعراف:135) فبدأ فرعون يجمع ويحشد ليلحق بموسى ومن معه، لكن أنّى له ذلك فالله الذي أخرجهم: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) (الشعراء:52-60).

كلاّ إنّ معي ربي سيهدين

بدأت المطاردة الحثيثة من فرعون وجنده، لكنه استغرق وقتاً في جمع وتجهيز جيشه، مما أكسب موسى وقومه وقتاً للوصول إلى البحر بالعدد الكبير من بني إسرائيل، حيث بطء الحركة، فلما وصل موسى وقومه إلى البحر التفتوا وراءهم وإذ بفرعون مقبل بجيشه وسلاحه: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء:61-62).

وهذا يذكرنا بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام وصاحبه أبو بكر وهما في الغار: (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:40) النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما موسى عليه السلام لم يكن يعرف كيف الخلاص وما هي خطة النجاة، لكنه يعرف أن الله معه ولن يضيعه، وهذا ما حدث بالضبط: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) (الشعراء:63-66) وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى) (طـه:77).

وقف فرعون أمام هذا المشهد مذهولاً خائفاً من التقدم، لكن الله سبحانه وتعالى أقحم فرسه، وجعله يتقدم، فتقدم فرعون نحو البحر، وتقدم وراءه كل الجيش، فلما عبر موسى ومن معه ونجى آخر واحد منهم، وقبل أن يصل فرعون ومن معه إلى الشاطئ الثاني انطبق البحر: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) (طـه:78-79) فكانت نهاية سريعة لآلاف المجرمين، لكن أنا يكون ذلك من دون صبر وتضحيات وتوكل خالص على الله.

هلاك الطاغية

وأما عن مشهد موت فرعون: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس:90) لكن التوبة لا تقبل عند الموت والغرغرة، هو آمن حين لا ينفع نفساً إيمانها، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) (يونس:96-97).

فرد الله سبحانه وتعالى عليه: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) (يونس:91-92) يبقى جسدك آية يراها الناس على مدى التاريخ، خلّد الله سبحانه وتعالى جسده حتى تعتبر به الناس، وفرعون موجود الآن في المتاحف واسمه رمسيس، ففي حديث الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: "آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ" فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ([27]) فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ" لكن الله لم يقبل توبته فقد شهدها عندما بلغت الحلقوم.

وقد كان ذلك في يوم عاشوراء –العاشر من شهر محرّم- ففي حديث البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِصَوْمِهِ".

نجاة بني إسرائيل

ونجى بنوا إسرائيل وجازوا البحر وأورثهم الله الأرض: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص:5) وبعدما تجاوزوا هذه المحنة وخرجوا سالمين من بطش فرعون والغرق في البحر، مرّوا على قوم يعبدون الأصنام، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم صنماً يعبدونه مثل هؤلاء القوم: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأعراف:138-140) والفاء في كلمة " فَأَتَوْا " تدل على الفورية والتتابع بلا فاصل زمني.

والله سبحانه وتعالى يذكّرهم بمنّه عليهم أن نجاهم من البلاء العظيم على يد فرعون: (وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (الأعراف:141) فسكتوا وسلموا بالأمر دون اقتناع أو إيمان بما قال لهم موسى، فهذه حالهم وهذه ثقافتهم، جاءهم موسى ليخرجهم من هذه الوضاعة في الحياة إلى حياة الملوك، ومن قداسة المادة وسيادة الظلم إلى سمو الروح ورحابة العدل.

وقد حدث زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا من طلب بعض المسلمين الجدد -بعد فتح مكة- أن يجعل لهم النبي مثل ما كان لأهل الجاهلية لكن الله نجّى الأمة من هذه الضلالة، جاء في حديث الترمذي عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ([28]) يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى "اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ.

وفي حديث البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ!.

موسى إلى ميقات ربه

بعدما نجوا جاءت الأوامر لموسى عليه السلام من ربه سبحانه وتعالى أن يأتي مع قومه إلى جبل الطور، حيث وعده الله سبحانه وتعالى هناك أن يعطيه التوراة لتكون شريعة له ولقومه: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (الأعراف:142) وعده الله سبحانه وتعالى أن يأتي إلى جبل الطور ويقضي عند جبل الطور ثلاثين ليلة يتلقى فيهن التوراة، وبدأ الناس بالمسير واستعجل موسى عليه السلام، استعجل ليسبق قومه إلى جبل الطور ليرضي الله عز وجل، حرصاً على أن يأخذ التوراة بسرعة، وقد كان عدد بني إسرائيل ستمائة ألف وبالتالي حركتهم بطيئة: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) (طـه:83-84).

وصل موسى عليه السلام إلى جبل الطور وهناك وللمرة الثانية عند الشجرة المباركة يتلقى من الله سبحانه وتعالى دون أن يراه: (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً) (النازعـات:16) في هذا الوادي المقدس الذي فيه جبل الطور تلقى التوراة، وكان موسى عليه السلام قد أخبر قومه أنه سيرجع إليهم خلال ثلاثين يوم، في هذه الفترة كان موسى عليه السلام يصوم إرضاءً لله عز وجل وقيل أنه لم يطعم الطعام فيها قط، فلما كمل الشهر أخذ لحاء شجرة فمضغه ليطيب ريح فمه، فعاتبه الله عز وجل، وزاده عشرة أيام، يقول الله عز وجل: "وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" وترك أخاه هارون يقوم مقامه في بني إسرائيل فترة غيابه فقال له: "اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ".

سؤال رؤية الله عز وجل

طوال الأربعين يوماً وموسى عليه السلام يكلم الله سبحانه وتعالى مباشرة بدون وحي، والله سبحانه وتعالى يكلمه مباشرة بدون وحي -لكن من وراء حجاب- ولذلك يقال: موسى كليم الله: (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) (النساء:164) ومن خلال هذه المكانة السامية لموسى عليه السلام عند الله بأن كلمه ونسبته إليه، طمع عليه السلام في حب الله عز وجل له فطلب أن يرى الله، لكن الله سبحانه وتعالى (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:103) وفي حديث البخاري عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)، ما رأى الله عز وجل، وهناك لمّا طلب موسى عليه السلام أن يرى الله عز وجل، أبى عليه ذلك و"قَالَ لَنْ تَرَانِي".

(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (الأعراف:143) هذا الجبل غير جبل الطور، أخذ موسى عليه السلام ينظر إلى الجبل، وعن ابن عباس: "ما تجلى –يعني من العظمة– منه إلا قدر الخنصر فجعل الجبل دكاً" أصغر من الأصبع الصغير، تجلى الله عز وجل للجبل بهذا المقدار البسيط، فانهار الجبل من نور الله عز وجل فصار تراباً، منظر هائل عجيب يراه موسى عليه السلام، جبل يهتز ويتفتت ويسقط ويصبح تراب، فأغشي عليه، فلما استيقظ أدرك الأمر وقال: " سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ "، وفي حديث ابن ماجة عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ".

لا نخير بين الأنبياء

لكن لا يصح أن يتطاول أي من الخلق على موقف موسى عليه السلام فهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيمن تجاوز على موسى عليه السلام، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ مِنْ الْأَنْصَارِ لَطَمَ فِي وَجْهِي، قَالَ: ادْعُوهُ، فَدَعَوْهُ، قَالَ: لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مَرَرْتُ بِالْيَهُودِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَقُلْتُ: وَعَلَى مُحَمَّدٍ! وَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْتُهُ، قَالَ: لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الأنبياء فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ([29])، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم، وهو سيد ولد آدم بل سيد الخلق أجمعين.

لذا فبعد ذلك يرفع الله من شأن نبيه وصفيه موسى عليه السلام: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الأعراف:144) فضلتك على كل الناس الذين في زمانك بالرسالة وبالكلام المباشر معك، فأعطاه الله سبحانه وتعالى التوراة، كتبها له في الألواح، يقول ابن كثير: "وكانت الألواح من جوهر نفيس، ففي الصحيح: أن الله كتب له التوراة بيده، وفيها مواعظ عن الآثام وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام": (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (الأعراف:145) فتلقى موسى عليه السلام أوامر الله عز وجل في التوراة أربعين يوماً.

عبادة العجل

في هذه الأثناء كانت أحداث خطيرة جداً تحدث في بني إسرائيل وهم ينتظرون موسى عليه السلام أن يرجع إليهم، يقول الله عز وجل: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) (طـه:83-85) كان هذا الإخبار في نهاية تلقّي التوراة، ثم رجع موسى إلى بني إسرائيل: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأعراف:150) كان هذا الغضب من موسى عليه السلام غضب لله، كيف أن قومه يرتكبوا هذه المعصية العظيمة، لكن ما الذي حدث ليغضبه؟

في خلال غياب موسى عليه السلام ولم يرجع بعد الثلاثين يوماً التي وعدهم، قالوا: شيء ما حدث، فقال لهم هارون: لعلنا أذنبنا بأخذ الحُلي والذهب من المصريين، هذه الحُلي التي معهم لم تكن حلي بني إسرائيل ولكن كانت حلي لقوم فرعون (المصريين) استعاروها استعارة، فلم يكن لدى النساء الإسرائيليات ذهب كونهن في مقام العبيد عند المصريين، فكانت الواحدة منهن عندما تريد أن تذهب إلى حفلة، وتريد أن تتزين -كعادة النساء- تستعر الذهب من إحدى المصريات وكن يعطونهن الذهب، فلما خرجوا مع موسى، أخذوا معهن الذهب.

فقال لهم هارون: لعلكم عوقبتم بهذا الذهب، فهو لا يحل لكم ولا تستطيعوا أن ترجعوه، فأتوا به فادفنوه، فجعلت لهم حفرة وألقوا فيها الذهب ودفنوه، فجاء السامري فأخذ الذهب فصنع منه عجلاً، وأخذ قبضة من أثر الرسول، الرسول هنا هو جبريل عليه السلام.

وكان السامري من علماء بني إسرائيل وقد أعطاه الله قدرات مميزة، فكان يرى مالا يراه الآخرين، فقد رأى فرس جبريل عليه السلام، ووجد أن هذا الفرس كلما داس على جزء من الأرض ظهر منها الزرع ونبت فوراً، فقال في نفسه أن كل مكان يدوس فيه الفرس ينبت بالحياة، وكأن فيه الحياة، فلما صنع جسد العجل أخذ السامري حفنة من التراب الذي داسه فرس جبريل عليه السلام وقذفها على العجل، فخرج من هذا العجل التمثال أصواتا كأنه يخور خوار العجل.

بعضاً من بني إسرائيل قالوا أن موسى ذهب ليبحث عن إلهه، وإلهه هنا عندنا، وهذا العجل هو إله موسى، وسيرجع موسى ليعبد هذا العجل معنا، فأكثرهم عبدوا العجل، وقليل منهم امتنع لينتظر، وقالوا موسى وعدنا ثلاثين ليلة وزادت والنبي لا يخطىء! وربما السامري كان على حق ولكن دعونا ننتظر، ولم يكن من بينهم على الحق الثابت اليقين البين إلا هارون عليه السلام.

توقف بنو إسرائيل ولم يكملوا المسير خلف موسى عليه السلام، حيث كان الاتفاق أن يتابعوا السير وأن موسى سيسبقهم طمعاً منه في حب الله، وخوفاً من التأخير فحركة نصف مليون من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ حركة بطيئة جداً: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) (طـه:86-88).

سبحان الله انظروا إلى هذه العقول التي تقبل مثل هذا الكلام: (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً) (طـه:89) عجلاً لا يتكلم، لا يرجع القول أي لا يردّ إذا كلمته، فقط صنم له صوت خوار، ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) (طـه:90) أي إنما قدّر الله أمر هذا العجل وجعله يخور فتنة واختباراً لكم، فهو ليس بإله: (قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) (طـه:91) سنظل عليه نتعبده حتى يرجع إلينا موسى.

لمّا عرف موسى عليه السلام بالقصة عاتب أخاه هارون عتاباً شديداً وألقى الألواح التي فيها التوراة، النبي صلى الله عليه وسلم يعلق على موقف سيدنا موسى عليه السلام لما أخبره الله عز وجل خبر قومه ولما رأى المشهد بأم عينه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ، فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ"([30]).

أخذ موسى عليه السلام يجر أخاه هارون عليه السلام من شعره ومن لحيته جراً شديداً، وكان موسى عليه السلام من طبعه الشدة، وهارون عليه السلام من طبعه اللين، و(قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (طـه:92-94) كان هارون يخشى أن ينقسم بنو إسرائيل ويتفرقوا، قسم يبقى مع العجل وقسم يذهب معه إلى موسى، فهارون عليه السلام نبي لكنه كان تابعاً لموسى عليه السلام.

هنا التفت موسى عليه السلام إلى السامري: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) (طـه:95-96) قال ذلك معترفاً بانحراف نفسه الأمارة بالسوء، ولكن بعد أن أضل كثيراً من بني إسرائيل وأوردهم التهلكة، وما بقي على الحياد إلا نفر قليل، والباقي كلهم عبدوا العجل.

عبدوا العجل بعدما رأوا المعجزات تلوا المعجزات! تسع آيات عظيمة حدثت لفرعون وهم يشهدون، ثم رأوا بأعينهم كيف انشق البحر أمامهم، والآن يعبدوا الأصنام! بل إن حب العجل وعبادته خالطت سويداء قلوبهم وامتزجت بدمائهم، وهذه طبيعة اليهود إلى يومنا هذا: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة:93).

فهنا أصدر موسى عليه السلام الحكم على السامري: (قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً) (طـه:97) جفاه وأمر بمقاطعته، وقال لا يمسه أحد ولا يقترب منه أحد، وقيل أصابه مرض معدي فكان الناس يهربون منه، وأمر بإحراق العجل ثم أخذ هذا الفتات الذي حدث للعجل ورماه في البحر، حطّم العجل وفتته حتى لا يعود أحد لعبادته أبداً، ثم صحح لهم العقيدة فقال: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) (طـه:98) ثم دعى لأخيه هارون عليه السلام بعدما تبين له الأمر: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأعراف:151)

ثم إن الله عز وجل أوحى الحكم فيمن عبد العجل: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) (الأعراف:152) أصابهم غضب الله تعالى ونزل عليهم الغضب إلى قيام الساعة، ولذلك نحن نقرأ كل يوم قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة:6-7) المغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى، قال العلماء: المغضوب عليهم هم الذين عرفوا الحق وتركوه عمداً، والضالون هم الذين ضلوا عن الحق ولم يعرفوه.

وكان الحكم أن يقتل بعضهم بعضاً: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:54) "فيقال إنهم أصبحوا يوماً وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف، وألقى الله عليهم ضباباً حتى لا يعرف القريب قريبه ولا النسيب نسيبه، ثم مالوا على عابديه فقتلوهم وحصدوهم، فيقال: إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفاً"([31]) فكان العقاب والكفارة لهذا الجرم العظيم مكافئاً له، فلا قوم أحرص منهم على الحياة مهما تكن: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (البقرة:96) حياة: أي حياة سواء كانت حياة ذل أو خوف أو كفر، المهم أن يعيش ولذلك خوفهم شديد جداً: (لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (الحشر:14).

وبهذا القتل الشرعي وئدت الفتنة وأحييت العقيدة من جديد: (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأعراف:153) ولكن سرعان ما يعود أدراجهم في طريق المعصية وكفران النعمة –كما سيأتي- لذا فقد: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (آل عمران:112).

التوراة إلى بني إسرائيل

وبعد أن هدأ موسى وذهب عنه الغضب (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) (الأعراف:154) فيها الهداية والنور للذين يخافون الله عز وجل، ثم جمع من بقي معه من بني إسرائيل وقال لهم هذه الألواح فيها التوراة فاسمعوا وأطيعوا، فرفضوا التصديق بها والإقرار لها وقالوا: اقرأها علينا فإن أعجبنا ما بها أطعنا وإن لم تعجبنا لن نطع: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة:92-93) فألح عليهم أن يعاهدوه على أن يعملوا بالتوراة، فأصروا على شرطهم.

وهنا جاءتهم معجزة جديدة وهي أن يطير جبل أمام أعينهم فصار فوق رؤوسهم كأنه غمامة، فناداهم موسى عليه السلام: "خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا" وإلا سقط عليكم الجبل، فسجدوا ورفعوا رؤوسهم ينظرون للجبل وقالوا أطعنا: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأعراف:171) "قال ابن عباس وغير واحد من السلف: لما جاءهم موسى بالألواح فيها التوراة أمرهم بقبولها والأخذ بها بقوة وعزم، فقالوا: انشرها علينا فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها، فقال: بل اقبلوها بما فيها، فراجعوه مراراً، فأمر الله الملائكة فرفعوا الجبل على رؤوسهم حتى صار كأنه ظله، أي غمامة، على رؤوسهم، وقيل لهم إن لم تقبلوها بما فيها وإلا سقط هذا الجبل عليكم فقبلوا ذلك وأمروا بالسجود فسجدوا، فجعلوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم، فصارت سُنة لليهود إلى اليوم، يقولون لا سجدة أعظم من سجدة رفعت عنا العذاب"([32]).

موسى يختار رجالاً ليعتذر

ثم إن موسى عليه السلام لمّا رأى هذه الشنائع من قومه، يعبدون العجل ولا يعطون المواثيق والعهود بالالتزام بالتوراة والشريعة إلا بالتهديد، من بعد ما رأوا كل هذه الآيات العظيمة، ما هؤلاء؟! ما هذا الكفر الذي في النفوس؟! أراد موسى عليه السلام أن يعتذر إلى الله عز وجل مما فعل بني إسرائيل، فاختار سبعين رجلاً ممن لم يعبدوا العجل، أو كانوا أفضل اليهود، قال ابن عباس والسدي وغيرهما: "أن هؤلاء السبعين كانوا علماء بني إسرائيل، ومعهم موسى وهارون ويوشع وناذاب وأبيهو، ذهبوا مع موسى عليه السلام ليعتذروا عن بني إسرائيل في عبادة من عبد منهم العجل، وكانوا قد أمروا أن يتطيبوا ويتطهروا ويغتسلوا، فلما ذهبوا معه واقتربوا من الجبل وعليه الغمام وعمود النور ساطع صعد موسى الجبل"([33]) يقول الله سبحانه وتعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (الأعراف:155) صعدوا جبل الطور، وإذ به يرجف ويتزلزل، فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ، الأمر إليك، كان من الممكن أن تهلكهم هناك وهم عند العجل، الله سبحانه وتعالى غضب عليهم غضباً شديداً ولذلك أحدث لهم هذا الزلزال، كيف يعبدون العجل؟! وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج: "إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل"([34]) وجعل موسى عليه السلام يعتذر من الله عن قومه: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا([35]) إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:156).

فهدأ الزلزال ورجع موسى لمن معه فسألوه أن يروا الله، لكنه أنكر عليهم أشد الإنكار، كيف يطلبوا ذلك وهم أفضل من في بني إسرائيل، لكنهم أصرّوا فأهلكهم الله وأماتهم: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة:55) فأسقط في يد موسى، كيف يرجع إلى قومه وقد أهلك الله خيارهم، فكيف بمن هم دونهم؟! فجعل موسى يبتهل إلى الله ويدعوه أن يحييهم ليصدقوه عند قومهم، فحدثت المعجزة أمام أعينهم: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:56) قاموا أحياء مرة أخرى، لعلهم أن يشكروا الله على نعمه، فكم من المعجزات مرت بهم زمن فرعون، تسع آيات ونجاتهم من فرعون، وما حدث لقومهم يوم عبدوا العجل، وهم الآن يموتوا ثم يبعثوا من جديد، لكنهم قوم في منتهى الخبث، وغاية في نكران المعروف والعزوف عن الخير، حتى قال الله فيهم: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (المائدة:82) وهذا حالهم إلى اليوم فاليهود هم اليهود ناقضوا عهود ومواثيق، حتى مع الله ورسوله، فكيف بالبشر الذين هم دون ذلك.

رفضهم دخول إيلياء

ورجع موسى عليه السلام ومعه هؤلاء السبعين وتحرك مع بني إسرائيل حتى وصلوا إلى مدينة إيلياء التي تسمى اليوم مدينة القدس، وكانت القدس عاصمة تلك المناطق وكان يحكمها قوم في منتهى القوة والجبروت من الكنعانيين وغيرهم، وكانوا معروفون بقوتهم وجبروتهم حتى وصفوا بالقوم الجبارين، أراد موسى عليه السلام أن يفتح بيت المقدس لتكون وطناً لقومه، يمارسوا فيه شعائرهم وعبادتهم، وقد كان عدد بني إسرائيل قرابة ستمائة ألف، عدد كبير، فلما أخبرهم بالأمر رفضوا وقالوا: نحن لا نعرف القتال، نحن أهل زرع وغنم وكنا مستعبدين، أربعمائة وثلاثين سنة استعبدنا فيهم المصريون، أربعمائة وثلاثين سنة، نحن لا نحسن القتال، قال: أخذت منكم الميثاق والعهد أن تطيعوني، أنتم فقط إن هجمتم عليهم ستنتصروا وتفتحوا إيلياء وتسيطروا على كل الأرض المقدسة، فرفضوا ذلك: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) (المائدة:21-22) شرطنا أن يخرجوا منها بدون قتال، إذا خرجوا هم ندخل نحن.

كان هذا قولهم جميعاً إلاّ أن الله لا يترك نبياً أو مصلحاً إلاّ ويسانده بالمؤمنين الصادقين، فتقدم رجلان من بني إسرائيل يقال أنهما "يوشع بن نون وكالب بن يوفنا"([36]) فنصحا قومهما بإطاعة أمر الله وأمر رسوله: (قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة:23) لكنهم جبنوا وردّوا أمر رسولهم شر رد: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة:24) قارنوا هذا الموقف بموقف الصحابة الكرام رضي الله عنهم عندما استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم قبيل بدر، لما جاءته الأخبار بقدوم قريش، فكان منهم موقف المقداد رضي الله عنه، في حديث البخاري عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: "اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا" وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ، يَعْنِي قَوْلَهُ.

التيه أربعون سنة

عند ذلك أسلم موسى عليه السلام أمره إلى الله و(قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:25) طالباً أن يحكم بينه وبين قومه، داعياً عليهم وشاهداً بفسقهم وفجورهم، وهذه أول مرة يدعو موسى على قومه، فجاء أمر الله عز وجل بأن يتيهوا في سيناء أربعين سنة: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:26) حكم شديد، ما ابتلي قوم بهذه المدة من البلاء، أربعين سنة كانت كافية لإفناء جيل الهزيمة، الجيل الذي رأى كل المعجزات والآيات ولم يؤمن، جيل لا يستحق دخول بيت المقدس بعد أن رفض دخولها أول مرة.

وبعد هذا الرفض الفاضح، عاد موسى عليه السلام ببني إسرائيل إلى سيناء؛ يحاولوا أن يجدوا مكاناً لهم يستقروا فيه فلا يجدوا، في كل مرة يتزعم أحدهم سبيل العودة للطريق فيفشل، وهكذا أربعين سنة والحال في تيه وضياع، أراد الله بذلك أن يعاقبهم على معصيتهم.

وما كان الله ليتركهم يموتوا جوعاً وعطشاً؛ بل أنزل عليهم المن والسلوى، وفجر لهم العيون ليشربوا: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً([37]) أُمَماً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (الأعراف:160) عطشوا في التِّيْه، فضرب موسى حجر من الأرض فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا من الماء، قد علمت كل قبيلة من القبائل الاثنتي عشرة مشربهم، لا تدخل قبيلة على غيرها في شربها، وظلَّلنا عليهم السحاب، وأنزلنا عليهم المنَّ -وهو شيء يشبه الصَّمغ، طعمه كالعسل – والسلوى، وهو طائر يشبه السُّمَانَى (طائر السمّان)، وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، فكرهوا ذلك وملُّوه من طول المداومة عليه، وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. وما ظلمونا حين لم يشكروا لله، ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؛ إذ فوَّتوا كل خير، وعرَّضوها للشر والنقمة.

بقرة بني إسرائيل

في خلال سنوات التيه الأربعين حدثت عدة أحداث، منها ما كان من قصة البقرة، وفيها أنهم استيقظوا في يوم من الأيام، وإذ بأحد كبارهم وأعيانهم مقتول، ولا يعرفوا من قتله، فجاءوا إلى موسى عليه السلام، قالوا يا موسى: أخبرنا من قتل هذا؟ قال: أنا لا أعلم إلا بالوحي، قالوا ادعوا لنا ربك ليخبرنا من قتل هذا، فأخذ موسى عليه السلام يدعو الله عز وجل ليدلهم على الفاعل، فجاءه الوحي يأمرهم بذبح بقرة: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (البقرة:67) قالوا: نحن جئنا إليك لتخبرنا من قتل هذا وأنت تقول لنا اذبحوا بقرة؟! أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً، أنت نبي الله وتسخر منا! فرد عليهم: قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، إنما هي أوامر الله، فلمّا رأوا أن الأمر جديّ: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ؟ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) (البقرة:68-71) كعادتهم في الجدل والمماطلة، قال ابن عباس وغيره: "فلو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها ولكنهم شددوا فشدد عليهم"([38]) ولكنه عناد وتعند وتكلف، فسألوا عن صفتها ثم عن لونها ثم عن سنها فأجيبوا بما عزّ وجوده عليهم، فكانت بقرة: لا هي كبيرة في السن عجوز، ولا صغيرة بكر، عوان بين ذلك أي وسط، صفراء شديدة الصفار، ذات مرآى جميل، مُسَلَّمَةٌ: لا تستعمل في حرث الأرض ولا تستعمل في سقاية الزرع، لا شِيَةَ فِيهَا: ليس فيها أي عيب يذكر.

بحثوا عن هذه البقرة فما وجدوها إلا عند غلام يتيم، لكن كان قد سبقهم واحد إليه عرف أنها موجودة عنده، قال إذا جاءوك يشتروا البقرة اطلب فيها ثمناً عالياً فوالله سيدفعون، وخاصة أن المقتول كبير من كبرائهم وكان غنياً غنىً فاحشاً، جاءوا للغلام، فطلب ثمناً وزنها ذهباً، فاستكثروا الثمن، قالوا نرجع لموسى، يا موسى: لم لا تكون بقرة غير هذه، قال هذه أوامر الله، أنتم شددتم فشد الله عليكم، في نفس الوقت كان أهل المقتول حريصين أن يعرفوا من قتله، فدفعوا فيها الذهب كما طلب الغلام.

اشتروا البقرة وذبحوها، فقال اضربوا الميت ببعضها، قيل بالفخذ وقيل بغيره: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (البقرة:72-73) فلما ضربوا الميت قام الميت حياً وقال هذا الذي قتلني، وكان الذي قتله ابن أخيه طمعاً في مال عمه.

أحيا الله الموتى أمامهم وكانوا من قبل قد رأوا المعجزات أمام أعينهم: المن والسلوى والحجر والغمام، فأي شيء يريدوا أكثر من هذا، لكن قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشد: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:74) الحجارة تلين وقلوبهم لا تلين، وفي القصة درس: أن الإنسان لا يتشدد في دين الله ويحمل نفسه ما لا تطيق، الدين يسر لا تشدد فيه، في حديث الإمام أحمد عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ".

موسى والخضر عليهما السلام

وفي هذه الفترة كذلك حدثت القصة العظيمة بين موسى عليه السلام والخضر عليه السلام وأكثر القول على أنه نبي، وردت عدة أحاديث صحيحة مفصلة تتحدث عن هذه القصة، أختار منها حديث البخاري: عن سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، (موسى كان نبياً رسولاً، ولم يكن يعلم أنه يوجد أحد بهذه المكانة على الأرض فافترض أنه أعلم الناس) فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ بِهِ، فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا (سمكة) فِي مِكْتَلٍ (قفة أو سلة) فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ (فهذه هي العلامة)، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ (أكثر المفسرين والمؤرخين على أن يوشع نبي من أنبياء الله عز وجل وهو الذي تولى أمر بني إسرائيل بعد موسى وهارون.

وقال موسى لفتاه: لا أتوقف إلى أن أصل إلى مجمع البحرين أو أمشي عشر سنوات، الحقب: عشر سنوات، مجمع البحرين: مجمع طرفي البحر الأحمر من الشَمال) وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا فَانْسَلَّ الْحُوتُ مِنْ الْمِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: "آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا" وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنْ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: "أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ" قَالَ مُوسَى: "ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا".

فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟! فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا" (هذا خلق نبيل وهو التواضع في طلب العلم، رغم أن موسى عليه السلام -باتفاق العلماء- هو خير من الخضر عليه السلام، لكن العلم يطلب ممن يحمله وليس الأمر مرتبط بالمكانة) "قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا" يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ (الشرط هو: أي شئ تراه لا تسألني عنه حتى أخبرك أنا، فوافق موسى عليه السلام، وقال ليوشع بن نون أن يعود إلى بني إسرائيل، فرجع يوشع وأكمل موسى عليه السلام الطريق مع الخضر عليه السلام) "قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا" فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا فَعُرِفَ الْخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ (بغير عطاء أو أجر).

فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا! "قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا" "قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا" فَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، فَانْطَلَقَا فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ مُوسَى: "أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ" (جريمة قتل واضحة تحدث أمام عينيه) "قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا" (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَهَذَا أَوْكَدُ) "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ" (وصلا إلى قرية وكان قد أصابهما الجوع الشديد، وكانا إذا مرّا على أناس في رحلتهما يضيفوهما، أما هؤلاء القوم فلم يضيفوهما كما يفعل الناس عادة مع الضيوف، فطلبا الضيافة منهم وكان هذا حق للمسافر في ذلك الزمان وكذلك في الإسلام، فوجدوا أن أهل هذه القرية أهل سوء، وإذ ببيت متهدم لم يبق منه إلاّ جدار مائل يكاد يسقط، فأخذ الخضر يبني الجدار ويعدله إلى أن قوّمه وسوّاه، وكان موسى عليه السلام مستغرب من ذلك! جدار متهتك في خرابة تبنيه لأناس أهل سوء حتى أنهم رفضوا أن يضيفونا!، تتطوع لبنائه، على الأقل اطلب الأجر مقابل البناء!!) قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ فَقَالَ لَهُ مُوسَى: "لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا" "قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ" قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا.

وتكملة للقصة؛ أن هذا الملك الكافر الذي يأخذ كل سفينة غصباً عندما جاءهم ووجد سفينتهم بها خرق وتكاد تغرق تركها، وأما الغلام فبعد قتله رزق الله أبواه ولداً صالحاً هو خير لهما من الأول، وأما اليتيمين في القرية السوء، فبعد أن كبرا سقط جدارهما فاستخرجا الكنز وكان من الذهب، وقد قيل أن جدهما السابع كان صالحاً وقيل العاشر، وقيل أيضاً أنه أبوهما مباشرة وهو الأرجح([39])، وقال المفسرون: إن صلاح الآباء ينفع الأبناء، وتقوى الأصول تنفع الفروع.

وفي القصة درس عظيم في التسليم بأمر الله وإن خالف عين الناظر، وهذا ما يفسره صلح الحديبية زمن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أن شروط الصلح والهدنةلم تكن في حسابات البشر المجردة في صالح المسلمين، لكن النتيجة كانت فتحاً مبيناً كما سمّاه الله سبحانه وتعالى وهذا ما كان في خيبر ثم فتح مكة: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح:27).

والقصة بكاملها مذكورة في القرآن الكريم في سورة الكهف، الآيات (60-82):

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً *

قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً *

قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً * وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً).

قارون لعنه الله

قال ابن عباس: "كان قارون ابن عم موسى" عليه السلام، وقال ابن جرير: "وهذا قول أكثر أهل العلم" إذاً كان قارون من قوم موسى حيث قال الله تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) (القصص:76-78) قال قتادة: وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري فأهلكه البغي لكثرة ماله([40]).

يقول ابن كثير رداً على من ادعى أن قارون كان يستخدم علم الكيمياء لصناعة الذهب أو أنه كان يعلم اسم الله الأعظم مما مكنه من استخراج كنوز الأرض: "وأما من زعم أن المراد من ذلك أنه كان يعرف صنعة الكيمياء، أو أنه كان يحفظ الاسم الأعظم فاستعمله في جمع الأموال، فليس بصحيح؛ لأن الكيمياء تخييل وصنعة، لا تحيل الحقائق، ولا تشابه صنعة الخالق، والاسم الأعظم لا يصعد الدعاء به من كافر به، وقارون كان كافراً في الباطن منافقاً في الظاهر".

(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:79-83) خرج في تجمل عظيم من ملابس ومراكب وخدم وحشم، جاء في الحديث عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"([41])

وقد ذم الله قارون في أكثر من موضع: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (غافر:23-24) وقال تعالى: (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (العنكبوت:39-40).

وفي مسند الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ"

بلعام بن باعوراء لعنه الله

ومما حدث في التيه زمن يوشع بن نون عليه السلام وقيل غير ذلك، ما حدث من أمر بلعام بن باعوراء وهو من بني إسرائيل، وأنه كما قال ابن عباس وغيره: "يعلم الاسم الأعظم، وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه فامتنع عليهم ولما ألحّوا عليه ركب حمارة له ثم سار نحو معسكر بني إسرائيل فلما أشرف عليهم ربضت به حمارته فضربها حتى قامت فسارت غير بعيد وربضت فضربها ضرباً أشد من الأول فقامت ثم ربضت فضربها فقالت له: يا بلعام أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي ترجعني عن وجهي هذا؟ أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟"([42]) حتى أدرك القوم فلم يجبه لسانه بالدعاء على موسى إلاّ أن يدعو لموسى وقومه، فاندلع لسانه حتى وقع على صدره، ثم لما رأى أنه ممنوع عنهم، أغوى بعض بني إسرائيل بامرأة بغي ففعلوا الفاحشة فنزل عليهم الطاعون من الله بذنوبهم فما رُفع حتى تقربوا إلى الله بقتل العُصاة منهم، وقيل أنه قتل في تلك الساعة عشرون ألفاً (20,000)([43]).

وقد وصفه الله سبحانه وتعالى وصفاً شنيعاً؛ فهو قد انسلخ من الدين وخرج عن العقيدة كانسلاخ الحية من جلدها: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) (الأعراف:175-177) وغدا مثلاً لكل من أوتي العلم والقرآن ولم يعمل بهما.

يقول القرطبي في معرض تفسيره للآيات السابقة: " كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلاّ الكلب؛ فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال المرض وحال الصحة، وحال الري وحال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال : إن وعظته ضل وإن تركته ضل؛ فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث؛ كقوله تعالى: (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) (الأعراف:193)

وفاة هارون وموسى عليهما السلام

استمر بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة، خلالها مات هارون عليه السلام ودفن في الصحراء، وبعده بسنتين مات موسى عليه السلام، يقول ابن كثير: "فالذي عليه الجمهور: أن هارون توفي بالتيه قبل موسى أخيه بنحو من سنتين، وبعده موسى في التيه أيضاً، وأنه سأل ربه أن يقربه إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك، وفي حديث البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ، قَالَ: فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كُنْتُ ثَمَّ (أي لو كنت هناك) لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، فدفن قرب المسجد الأقصى أعاده الله للمسلمين وأعاد المسلمين إليه.

شئ من مناجاة موسى عليه السلام

ومما ورد من مناجاة موسى عليه السلام لربه، سؤاله عن أدنى أهل الأرض منزلة، وعمّا أعد الله للمؤمن المضيق عليه في الدنيا، وعن الكافر الموسع عليه فيها.

· أدنى أهل الجنة منزلة

"سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلْ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ!، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ"([44]).

· الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مُوسَى قَالَ أَيْ رَبِّ عَبْدُكَ الْمُؤْمِنُ مُقَتَّرٌ([45]) عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: فَيُفْتَحُ لَهُ بَابُ الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، قَالَ: يَا مُوسَى هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ، فَقَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ يَوْمَ خَلَقْتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ لَمْ يَرَ بُؤْسًا قَطُّ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ؛ عَبْدُكَ الْكَافِرُ تُوَسِّعُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ النَّارِ فَيُقَالُ يَا مُوسَى هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ، فَقَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَوْ كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا مُنْذُ يَوْمَ خَلَقْتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ كَأَنْ لَمْ يَرَ خَيْرًا قَطُّ"([46]).


([1]) رواه البخاري، وجاء في فتح الباري معنى سَبْطٌ "أي ليس بجعد، وهذا نعت لشعر رأسه" وفي معنى رِجَالِ الزُّطِّ أنهم "جنس من السودان، وقيل: هم نوع من الهنود وهم طوال الأجسام مع نحافة فيها".

([2]) كلمة فرعون لقب مثل قيصر وكسرى ومثل النجاشى، فكل من يحكم الحبشة يسمى النجاشي وكل من يحكم روما يسمى قيصر وكل من يحكم الفرس يسمى كسرى، كذلك كل من يحكم مصر كان يسمى فرعون.

([3]) ابن كثير عن ابن اسحاق.

([4]) ابن كثير.

([5]) طعام من اللحم والخبز المفتت، وهو يومئذ من أطيب الطعام.

([6]) رواه البخاري.

([7]) انظر بحث بعنوان: "فرعون موسى بين الحقيقة والخرافة" لِهاني أنور بندق.

([8]) ابن كثير.

([9]) ابن كثير.

([10]) ابن كثير بتصرف.

([11]) ابن كثير.

([12]) مدين: قرية نبي الله شعيب عليه السلام، وكان شعيب قد عمّر وعاش إلى ذلك الوقت، وهذا بعد إهلاك قومه.

([13]) ابن كثير.

([14]) تذودان: أي تكفكفان غنمهما أن تختلط بغنم الناس.

([15]) ابن كثير.

([16]) ابن كثير: عن عمر وابن عباس وغيرهما.

([17]) ابن كثير.

([18]) رواه البخاري.

([19]) ابن كثير.

([20]) ابن كثير.

([21]) ابن كثير.

([22]) ابن كثير.

([23]) ابن كثير.

([24]) ابن كثير.

([25]) المصدر السابق.

([26]) ابن كثير.

([27]) طين البحر وترابه الأسود.

([28]) قال الجزري: هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم أي يعلقونه بها ويعكفون حولها فسألوه أن يجعل لهم مثلها فنهاهم عن ذلك، وأنواط جمع نوط وهو مصدر سمي به المنوط.

([29]) رواه البخاري.

([30]) رواه الإمام أحمد.

([31]) ابن كثير.

([32]) ابن كثير.

([33]) المرجع السابق.

([34]) المرجع السابق.

([35]) هدنا أي رجعنا أنبنا، وبذلك سُمّوا يهوداً.

([36]) ابن كثير.

([37]) اثنا عشر قبيلة وهم على عدد أبناء يعقوب عليه السلام.

([38]) ابن كثير.

([39]) صفوة التفاسير للصابوني.

([40]) ابن كثير.

([41]) رواه البخاري.

([42]) ابن كثير.

([43]) المصدر السابق.

([44]) رواه البخاري.

([45]) الإقتار: التضييق على الإنسان في الرزق.

([46]) مسند أحمد.

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

One thought on “قصة موسى عليه السلام

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s