الحالات العسكرية في غزة .. بين الحاجة والضرورة

 

د. ناجي شكري الظاظا*

الحالات العسكرية في غزة بين الحاجة والضرورة لا يزال مشروع تحرير الأرض الفلسطينية هو نقطة المركز بالنسبة لكافة القضايا العربية والإقليمية باعتبار أن وجود الاحتلال الإسرائيلي هو وجود غريب في تكوينه، وغريب في نسيجه الاجتماعي الهجين؛ الذي لا يقبل أي "شراكة" أو "اندماج" مع محيطه العربي.

ولا يزال الشعب الفلسطيني يراكم من فعله المقاوم والرافض للوجود الصهيوني على أرضه حيث تشكلت المقاومة الفلسطينية كحالة رفض للاحتلال الصهيوني لفلسطين منذ بداية الانتداب البريطاني عليها عام 1918م كنتيجة طبيعية لحق الشعب الفلسطيني بحرية إدارة شئونه على أرضه الحرة. ومنذ ذلك اليوم والمقاومة تعمل على تقويض ذلك المشروع الصهيوني الذي جاء بدعم بريطاني وأممي واضح تمثل في الاتفاق السري بين بريطانيا وفرنسا بما عرف باتفاقية سايكس بيكو (1916م)، وحتى قيام دولة (اسرائيل 1947م) مروراً بثورة الزُرَّاع في عشرينيات القرن الماضي وثورة الشهيد عز الدين القسام في ثلاثينيات ذلك القرن.

غير أن اغتصاب الأرض الفلسطينية على أيدي عصابات الأرغون والهاجانا واشتيرن الصهيونية بشكل مسلح، ومن ثم إعلان اسرائيل دولة على الأرض الفلسطينية واستكمال احتلال كامل التراب الفلسطيني عام 1967م بما فيها شرقي مدينة القدس، كل ذلك أسس لعمل مقاوم مسلح من جميع التيارات والأحزاب الفلسطينية التي قد تختلف في الأيدلوجيا لكنها تتوحد في الهدف، وهو إنهاء الاحتلال الصهيوني من على الأرض الفلسطينية بمعنى تحرير فلسطين كل فلسطين. وهذا يشهد به التاريخ أنه كان سبب وجود كافة الأحزاب والتنظيمات على الأرض الفلسطينية وهو نفسه مبرر اسنادها عربياً وإسلامياً بل وحتى عالمياً باعتبار أن حق مقاومة الاحتلال تكفله كافة العهود والمواثيق الدولية.

"إن وجود تلك الحالات العسكرية هو نتيجة طبيعية للتنوع الإيديولوجي لفصائل المقاومة الفلسطينية التي تعددت وتشتت بفعل عوامل التعرية الزمنية للثورة الفلسطينية"

مع تطور الحالة الفلسطينية من شعب يعيش على أرضه إلى شعب مهجر داخل أرضه وخارجها؛ نتج عن ذلك الحاجة لتوسع عمل الحركات الفلسطينية لتشمل رعاية اللاجئين الفلسطينيين حيثما وجدوا مع استمرار العمل العسكري “الجهادي” “النضالي” ضد الاحتلال الإسرائيلي وصولاً إلى المقاومة المسلحة في الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى 2000م) مروراً بالمقاومة الشعبية في الانتفاضة الأولى (1987-1994م) حيث تشكلت أجنحة عسكرية واضحة المعالم، أخذت هامشاً واضحاً في الإعداد والعمل المقاوم ضد الهجمات الإسرائيلية المتكررة على الاراضي الفلسطينية تحت سيادة السلطة الوطنية الفلسطينية (1994م) كرد فعل طبيعي لقصور الحماية التي توفرها الأجهزة الأمنية الفلسطينية الرسمية للأرض والإنسان الفلسطيني.

ومع إعادة احتلال الضفة عبر عملية السور الواقي في مارس 2003م ثم إعلان الرئيس محمود عباس أن “التنسيق الأمني مقدس” ومع “حروب” إسرائيل المباشرة على غزة (الرصاص المصبوب-حرب الفرقان 2008، عمود السحاب-حجارة السجيل 2011، الجرف الصامد-العصف المأكول 2014) فقد ظهر واضحاً جلياً دور فصائل المقاومة الفلسطينية في رد العدوان الإسرائيلي وشن هجمات موجعة للاحتلال برز خلالها مصطلحات ذات دلالة عسكرية ونوعية مثل “خلف خطوط العدو” و “نقطة صفر”.

صحيح أن أجهزة المقاومة الفلسطينية تتبع أحزاب وجماعات ذات طابع أيديولوجي متعدد، فمنها ما هو إسلامي ومنها ما هو يساري ومنها ما يعتبر نفسه وطنياً، إلاّ أن هناك مساحات واسعة من التداخل الأيديولوجي، فكتائب القسام وسرايا القدس تمثلان التيار الإسلامي الواضح، كما أن كتائب أبو على مصطفى وكتائب المقاومة الوطنية تمثلان تيار اليسار الثوري، وبين التيارين تقف عدة فصائل مثل لجان المقاومة الشعبية، وكتيبة المجاهدين، ومجموعات عسكرية متنوعة تعرف بالحالات العسكرية وكلها تنشط في قطاع غزة فقط. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن كتائب شهداء الأقصى والتي تأسست في بداية انتفاضة الأقصى عام 2000 قد تم وقف الدعم الفتحاوي عنها بعد وفاة الرئيس الراحل أبو عمار، وتم ذلك بقرار من الرئيس محمود عباس.

ويرجع هذا التنوع إلى طبيعة التوجهات الفكرية المتعددة داخل المجتمع الفلسطيني التي تشكلت على طول الثورة الفلسطينية، والتي لا ينكر أحد أن العلاقات البينية للفصائل قد أصابها الوهن والفتور أحياناً والتنازع والخصومة أحياناً أخرى، ولكن ذلك كله لم يكن ليحرف بوصلة تلك الفصائل المقاومة وأجهزتها العسكرية عن مواجهة المحتل، وإن كان بنسب متفاوتة.

إن فصائل المقاومة الفلسطينية وأجنحتها (أجهزتها) العسكرية تشكل الحامي الحقيقي والمدافع القوي عن حاضنته الشعبية التي تشكلت بفعل الثقة المتراكمة بينهما، وعلى ميثاق المحافظة على الحقوق الفلسطينية وثوابت الشعب الفلسطيني وما بينها من اختلاف أيديولوجي إنما هو شكل من أشكال التنوع الطبيعي الذي تشكل مع حالة اللجوء داخلياً وخارجياً.

إن وجود تلك الحالات العسكرية هو نتيجة طبيعية للتنوع الإيديولوجي لفصائل المقاومة الفلسطينية التي تعددت وتشتت بفعل عوامل التعرية الزمنية للثورة الفلسطينية.


* كاتب وباحث فلسطيني

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s