تطلعات تركيا الإقليمية في ظل التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة

د. ناجي شكري الظاظا*

تطلعات تركيا الإقليمية في ظل التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة لقد مثلت المكالمة الهاتفية بين الرئيس التركي والرئيس الأمريكي توقيعاً صوتياً على دخول تركيا رسمياً للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم الدولة "داعش" في سوريا والعراق. صحيح أن تركيا لا تزال تعلن أن الأولوية يجب أن تكون إنهاء النظام السوري إلاّ أنها لا تمانع المشاركة في تحالف ينهي خطر قيام كيان لتنظيم الدولة على حدودها الجنوبية في شمال سوريا أو العراق.

يميل البعض إلى أن التفجيرات التي استهدفت مدينة سروج بمحافظة" شانلي أورفا" جنوب شرقي تركيا وخلف 32 قتيلاً وعشرات الجرحى، وتلك التي تبعتها وقتل فيها رجال أمن أتراك؛ كانت النقطة الأخيرة في كتاب التحمل والقدرة على الصبر لدى القيادة التركية. وفي اتهام مباشر للأكراد بتنفيذ الهجوم بإيعاز من داعش فإن الأمر يعني أن حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي تعتبره تركيا الأشد خطراً عليها قد تجاوز الحد، وعلى الدولة التركية أن تشمله في الحرب على "التنظيمات الإرهابية" في المنطقة كتنظيم داعش. ومعلوم أن حزب العمال الكردستاني تصنفه واشنطن منظمة إرهابية.

ملامح مستقبل المشاركة التركية في التحالف الدولي ستحددها نتائج الانتخابات التركية المبكرة وبالتالي تركيبة الحكومة وشكل نظام الحكم التركي

وهنا لابد من تسجيل أن التغير في الموقف التركي الرافض للسماح للطيران الأمريكي استخدام قواعد حلف الناتو في الجنوب التركي يعد لافتاً! حيث أنها رفضت كل الإغراءات الأمريكية سابقاً خلال الغزو الأمريكي للعراق في 2003. إن التخوف التركي لا يزال قائماً من استغلال الأكراد للأوضاع الإقليمية لفرض دولة لهم خاصة أن أكراد تركيا يمثلون 45% من النسبة الإجمالية لهم في المنطقة، كما أن أكراد العراق وسوريا تربطهم علاقات جيدة جداً مع PKK. وما يزيد الأمور لفتاً للانتباه هو أن الأكراد جميعاً مشتركون في التحالف الدولي لمحاربة داعش الأمر الذي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية توفر غطاءً جوياً للعمليات ضد داعش، وما الحرب الضروس في عين العرب "كوباني" إلاّ نموذجاً لتلك العلاقة الغريبة بين التحالف الدولي وتركيا والأكراد في مواجهة داعش.

إن الاتفاق الأمريكي التركي يقضي بالسماح للولايات المتحدة الأمريكية باستخدام القواعد التركية وأهمها "انجرليك" –وهي تتبع لحلف الناتو- للقيام بهجمات ضد داعش في العراق وسوريا، كما تسمح لتركيا بإنشاء منطقة أمنية عازلة داخل الأراضي السورية بين "مارع" و"جرابلس" تصل لعمق 50كم وبطول 90كم، ومنح تركيا الضوء الأخضر لحربها ضد PKK وداعش في سوريا والعراق. تم البدء بتنفيذ الاتفاق مباشرة وظهرت معالمه بتنفيذ تركيا لهجمات في الشمال العراقي -لأول مرة منذ 3 سنوات- شملت PKK وكذلك الشمال السوري ضد وحدات حماية الشعب الكردية.

ولا ننسى أن حزب الاتحاد الديمقراطي PYK -والذي يعتبر الفرع السوري لـ PKK- يعتبر حليفاً ميدانياً للتحالف الدولي في الحرب على تنظيم الدولة، وهو نفسه يعتبر حليفاً سابقاً للنظام السوري. بعد الإعلان عن مشاركة تركيا في التحالف وتنفيذها هجمات عسكرية استهدفته واستهدف PKK دون استنكار أمريكي واضح؛ صرّح زعيمه (صالح مسلم) بأن PYK مستعد للسماح بعودة قوات النظام للمناطق الكردية بل وأن تكون وحدات حماية الشعب –التابعة له- جزء من قوات النظام في حال غيّر النظام السوري من عقليته "الإقصائية البعثية"! يأتي ذلك في الوقت الذي لا يزال PYK يتمتع بنفوذٍ وسلطةٍ على مساحة واسعة من الأرض على الحدود التركية السورية وذلك بمباركة أمريكية مباشرة.

وهنا لابد من الانتباه إلى أن حاجة واشنطن للدور الكردي في كل من العراق وسوريا قد أعطاهم أفضلية ستحيي فيهم الحلم القومي الكردي بإنشاء دولة الأكراد القومية في مقابل القوميات الإقليمية الفارسية والتركية والعربية؛ وهو ما لا تقبله تركيا التي ستكون أكبر المتضررين منه، فهي لا ترى ذلك منفصلاً عن تشكيل الأكراد لكتلة برلمانية موحدة لأول مرة في تاريخها الحديث بقيادة حزب الشعوب الديمقراطية.

صحيح أن الاتفاق الأمريكي التركي لم يسمح باستهداف قوات النظام السوري، باعتبار أن التحالف لا يرى حتى الآن في النظام السوري هدفاً عسكرياً مباشراً لعملياته؛ إلا أن المنطقة الأمنية العازلة ستكون بالضرورة تحت النفوذ التركي مما سيؤهلها للقيام بكل العمليات التي تضمن توفير أمن تلك المنطقة من أي تحرك "إرهابي" سواء من تنظيم الدولة الإسلامية أو قوات PYK وكذلك قوات النظام السوري التي لا يزال لديها تواجد ضمن تلك المنطقة التي تم تحديدها في الاتفاق. تلك المنطقة العازلة مرشحة للزيادة والتوسع لتشمل مناطق تكفي لاستيعاب ملايين اللاجئين السوريين الذين يقيمون في مخيمات أقامتها الحكومة التركية داخل أراضيها، وذلك في إطار إعادة توطين أولئك اللاجئين في تلك الأرض السورية في أقرب وقت ممكن.

وهنا لا يمكننا أن نتجاهل التوجه التركي بقيادة العدالة والتنمية للحل السياسي لمشكلة الأكراد، وتوجههم العلني للدمج في الدولة التركية بدلاً من استمرار الصراع الدموي الذي حصد 45 ألف من الطرفين منذ سبعينيات القرن الماضي.

لا شك أن تركيا تخشى من تمدد تنظيم الدولة وسيطرته على مناطق سورية محاذية لحدودها، وهو الذي ظهر واضحاً في معركة عين العرب "كوباني" التي قدمت تركيا فيها دعماً لوجستياً واضحاً –في الوقت الذي كانت ترفض أن تكون جزءا من التحالف الدولي- كما سمحت بمرور قوات كردية بعتاد أمريكي خاص للمشاركة في العمليات ضد داعش في كوباني.

ومع استمرار تجنب تنظيم الدولة للمواجهة المباشرة مع قوات النظام، وتركيزه على تمدده على حساب مواقع نفوذ المعارضة السورية التي تدعمها تركيا؛ فإن السماح لاستخدام القوات الأمريكية للقاعدة الجوية "انجرليك" التي تبعد 300كم فقط عن مواقع تنظيم الدولة، وتقديم الأتراك للدعم الاستخباري واللوجستي –بحسب الاتفاق- كل ذلك سيصب في مصلحة تركيا التي ستسعد كثيراً باضطرار داعش للتمدد على حساب أماكن تواجد قوات النظام السوري الأمر الذي يعني توسيع منطقة الحظر على حساب مناطق نفوذ داعش والنظام لصالح إعادة توطين اللاجئين السوريين في الجنوب التركي.

وأما عن ملامح مستقبل المشاركة التركية في التحالف الدولي ستحددها نتائج الانتخابات التركية المبكرة وبالتالي تركيبة الحكومة وشكل نظام الحكم التركي. إن مشاركة الجيش التركي في عمليات ضد الأكراد وداعش في العراق وسوريا سيجلب كثير من التفجيرات إلى الداخل التركي مما سيؤثر على الوضع الاقتصادي الذي يعتمد على قطاع السياحة والاستثمار الداخلي والخارجي المبني على الاستقرار الأمني.

كل ذلك ليس بمعزل عن الاتفاق النووي الإيراني مع دول 5+1 غير أن الملف السوري والكردي هو الأكثر جاذبية واستراتيجية بالنسبة لتركيا، غير أن الاتفاق التركي الأمريكي يهدف إلى تضييق المجال أمام إيران بعد الاتفاق النووي وامتداد نفوذها في المنطقة.


* كاتب وباحث فلسطيني

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s