شبكات التواصل الاجتماعي.. وهْم التغيير وهاشتاج المعرفة

thumb.png

في كل زمن تأخذنا التكنولوجيا باتجاه تغييرات مجتمعية وثقافية تؤثر على عاداتنا وسلوكياتنا اليومية، وتعتبر شبكات التواصل الاجتماعي اليوم أحد أهم تلك الأدوات التكنولوجية، فهي شكلت عالماً افتراضياً له طبيعته المجتمعية التي لا تقف عند حد المكان أو الزمان أو الجنس أو حتى اللغة. وهي متعددة الأنواع والطرق في التعاطي مع الطبيعة البشرية التي تميل إلى التواصل مع الآخر والإعلان عن الذات سواء بالكتابة كما في “تويتر” أو بالصورة كما في “انستغرام” أو الفيديو كما في “يوتيوب”.

تشير الأرقام أن عدد مستخدمي “فيسبوك” النشطين قد وصل حتى نهاية مارس 2015 إلى 1.4 مليار بدعم 70 لغة عالمية، وأن مستخدمي “واتس أب” تجاوزت 900 مليون مستخدم في سبتمبر 2015 مقارنةً ب 800 مليون في شهر ابريل.

“لعل الاستحضار الخاطئ والقراءة السطحية لدور شبكات التواصل الاجتماعي في ثورات الربيع العربي هما اللذان عززا الشعور الوهمي بأن العالم الافتراضي هو نسخة محسنة عن الواقع الحقيقي!”

ولعل العالم العربي -والمجتمع الفلسطيني- ليس بعيداً عن ذلك العالم الافتراضي، بل هو في صلبه لما تمثله تلك الشبكات من فضاء واسع للتعبير عن همومه والمطالبة بحاجاته، في ظل ضيق –بل انعدام- الهامش الإعلامي الرسمي الذي يعكس الواقع العربي والفلسطيني. وليس غريباً أن نجد ترتيب فلسطين الثامن عربياً من حيث استخدام السكان لشبكات التواصل الاجتماعي بأنواعها، وتشير الدراسات أن 33% من الفلسطينيين يستخدمون “الفيسبوك” وهي الشبكة المفضلة في فلسطين ومصر وسوريا، بينما يفضل الخليجيون استخدام “تويتر”.

 وتظهر الدراسات المسحية أن نسبة 85% من الفلسطينيين يحصلون على الأخبار اليومية من “الفيسبوك”، بينما عبر 68% أنهم يعتمدون على المواقع الالكترونية، وأن 32% يحصلون عليها من الفضائيات. ووصلت نسبة الاعتماد على الإذاعات المحلية 25% والصحف إلى 20% فقط، هذا في ظل الظروف العادية أي ليس في أوقات الحروب.

وبالرغم من النسب العالية التي تحصل عليها الشبكات الاجتماعية في المتابعة اللحظية على مدار الساعة، إلاّ أن 39% من الفلسطينيين يعتبرون أن “هناك مبالغات فيما يتم نشره” و55% يعتقدون أنه “متوافق إلى حد ما”، فيما عبر 5% فقط بأن “هناك توافق ومصداقية كبيرين”!

ولعل شهرت مواقع التواصل الاجتماعي ترافقت مع ثورات الربيع العربي نهاية 2010 في تونس ومطلع 2011 في مصر. حتى ظن كثير من الناس بأن شبكات التواصل الاجتماعي هي من أنتج تلك الثورات! متغافلين عن أنها مجرد أداة سهلت تواصل الناشطين لتنظيم الفعاليات ونقل الصور ومقاطع الفيديو والأخبار التي جسدت ظلم الأنظمة الحاكمة في حينه، ومظهرة مطالب الثورات بالحرية والعدالة الاجتماعية.

ولعل انبهار المواطن العربي والفلسطيني بسرعة انتشار ما يكتب أو يصور عبر العالم وحجم التفاعل الافتراضي معه قد ولّد لديه ما يمكن أن نسميه “وهْم التغيير” فرأينا مبادرات شبابية لتنظيم حراك هنا أو هناك اعتماداً على “هاشتاج” أو صفحة “فيسبوك” سرعان ما يتفاجأ منظموها بفشلها وفتور الاستجابة بل وعدمها أحياناً. ولعل الاستحضار الخاطئ والقراءة السطحية لدور شبكات التواصل الاجتماعي في ثورات الربيع العربي هما اللذان أنتجا ذلك الوهم وعززا الشعور -الوهمي- بأن العالم الافتراضي هو نسخة محسنة عن الواقع الحقيقي!

وأنا هنا لا أقلل من شأن ذلك الفضاء ولا يمكنني تجاهل أهميته في نشر الأفكار ومشاركة المعرفة بين ملايين الناس بأسرع وقت مرّ على البشر؛ غير أنني أدعو إلى الانتباه إلى أن الواقع الحقيقي هو ما يعيشه الناس لا ما يحلموا به، وأنه الواقع الذي يبنوا مستقبلهم من خلاله؛ ففيه الأرض التي تُزرع والماء الذي يُشرب والبيئة التي يعيش فيها الفقراء بلا مأكل والمساكين بلا مسكن والبطالة بلا حل.

د. ناجي شكري الظاظا: كاتب وباحث فلسطيني

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s