قصة شمويل عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء 

انتشر الفساد في بني إسرائيل وكثر فيهم الكفر والفسق والفجور، وانتشر فيهم أمر خطير جداً ما سبقهم به أحد من العالمين، وهو قتل الأنبياء عليهم السلام: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء:155) حتى أنهم كانوا يقتلون في اليوم الواحد ثلاثة أنبياء وقيل أنهم قتلوا أكثر من ذلك.

وفي صحيح البخاري عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ(1) الأنبياء كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ، قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْفلم يكن يوم بدون نبي، كلما مات نبي أرسل الله لهم نبي، حتى انفصل الدين عن الدنيا فكان الملك عند الملوك والدين عند الأنبياء، فتسلط الملوك الجبابرة على بني إسرائيل وظلموهم ظلماً شديداً وهم من أبناء جلدتهم، فنشروا الظلم بين الناس واستعبدوهم.

فقدان التابوت

ونتيجة للظلم والكفر توالت الهزائم على بني إسرائيل في معارك متتالية فلما كان في بعض حروبهم مع أهل غزة وعسقلان(2) هُزم بني إسرائيل هزيمة نكراء، حتى استولى العماليق –وهم أهل فلسطينعلى التابوت وهو صندوق من الخشب يتبركون فيه، وكانوا يحملونه معهم في المعارك، إذا رأوه تنزل عليهم سكينة، كان فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون مما بقي من صحف أو ألواح موسى عليه السلام، وفيه عصا موسى وبعض ملابسه وأشياء لهارون عليهما السلام، وقيل أنه كان فيها شيء من المن الذي كان ينزل من السماء في فترة التيه.

فلما فقدوه ونالتهم الهزيمة، شاعت الفوضى بينهم ولم يبقَ لديهم ملوك تسوسهم على طاعة الله، إلى أن جاءهم نبي كريم هو (شمويل) عليه السلام. ويسمى شمعون وهو من ورثة هارون عليه السلام، ويقال له أشمويل ومعناه بالعبرانية إسماعيل أي: سمع الله دعائي.

شمويل يوحدهم

أرسله الله سبحانه وتعالى إلى بني إسرائيل بعد أن شاع فيهم الكفر والفساد ونالت منهم الفرقة ما نالت، وكانوا قد فقدوا الانبياء والملوك، فدعاهم إلى الحق والخير فاستجابوا وبدأوا يشعروا أن هذه الفوضى التي عمتهم مصيبة عليهم، وأدركوا أنهم بحاجة إلى ملك يسوس أمرهم، فقالوا لشمويل اختر من بيننا ملكاً قائداً يحكمنا ونطيعه لننتصر على أعدائنا: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (البقرة:246) “قال أكثر المفسرين: كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل. وقيل شمعون وقيل هما واحد. وقيل يوشع، وهذا بعيد لما ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير في تاريخه أن بين موت يوشع وبعثة شمويل أربعمائة وستين سنة(3).

فقال لهم شمويل: أخشى إن كتب عليكم القتال أن تنكسوا ولا تقاتلوا، فقالوا: أصابتنا المصائب على يد العماليق، وكانوا قد أخرجوا من القدس وذبحوا مذبحة شديدة على يد ملك جبار هو (بختنصر) فهو الذي أخرجهم وقتل فيهم مقتلة عظيمة في تاريخ طويل لبني اسرائيل.

فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى شمويل بوجوب الجهاد، فأخبرهم بهذا الأمر، أكثرهم رفضوا، وهم الذين قد أعطوا المواثيق أنهم إذا نزل الجهاد سيقاتلوا، نكسوا وما بقي مع شمويل إلاّ عدد محدود بالمقارنة مع الأعداد الكبيرة لبني إسرائيل، بقي معه عدة آلاف، في رواية بقي ثمانية آلاف من بين ملايين من بني إسرائيل: “تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ“.

طالوت ملكاً

اختار شمويل عليه السلام رجل من بني إسرائيل هو طالوت بن قيش من ذرية بنيامين بن يعقوب عليه السلام، فاعترضوا على ذلك حيث كان الملوك الذين كانوا قد سبقوا طالوت كانوا من ذرية (يهوذا) قال تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:247) طالوت كان رجلاً بسيطاً، يعمل في دباغة الجلود، فقير لكنه عليم حكيم وعنده قوة وضخامة في الجسم، يصفونه أنه كان ضخماً أبيضاً جميلاً، يملأ العين.

فردّ عليهم النبي: أن هذا اختيار الله عز وجل هو الذي اختاره، وهو متفوق عليكم في القوة البدنية وفي القوة العقلية وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، فرفضوا القتال وعصوا أمر نبيهم.

ومن طبيعة دعوة الأنبياء المصلحين أنهم لا يقيموا الحجة على أقوامهم أو الناس فقط، بل يجهدوا في البيان والتوضيح والتدليل على صحة أوامر الله، فأتاهم شمويل بآية ودليل على أن طالوت اختير من عند الله: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة:248) قال فإن علامة ملك طالوت أن يأتيكم التابوت الذي أخذه العماليق يوم هزموكم، فنظروا فإذا التابوت نازل عليهم من السماء إلى أن وضع بين أيديهم، عندها فقط نزلوا تحت إمرة طالوت، قيل عدة روايات في كيفية ترك العماليق للتابوت ووصوله إلى بني إسرائيل، ولكن كما قال ابن كثير: “الله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة(4).

اختبار النهر

وتحرك طالوت بالجيش في صحراء قاحلة، كلهم يطلب الماء ولو شربة واحدة، لكنه الابتلاء والاختبار من الله سبحانه وتعالى الذي يمحص المؤمنين قبيل المفاصلة العظيمة التي لا يثبت فيها إلاّ الرجال: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249) أخبرهم بما سيواجههم من صعوبات لكي يستعدوا ويتهيئوا لها، فأخبرهم أنهم سيمرون على نهر قال ابن عباس وكثير من المفسرين على أن هذا النهر هو نهر الأردن(5) فأقام لهم اختباراً وامتحاناً: أن من شرب من هذا النهر فلا يصحبه في هذه الغزوة، لكنه أعطى رخصة للذين أعياهم العطش أن يغرفوا غَرفة واحدة باليد، وأخبرهم أن هذا اختبار من الله، لكن القليل منهم توقفوا عند غرفة واحدة، الذين لم يشربوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، والآلاف كلهم شربوا، جاء تحديد العدد في الحديث عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَصْحَابَ بَدْرٍ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ بِعِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ(6) فلما رأوا العدو هالهم العدد والعدة، لكن الفئة المؤمنة سارعت إلى تعزيز موقف الجيش برد أسباب النصر إلى الإيمان أولاً؛ لا العدد والعدة: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة:250).

داود يقتل جالوت

بدأت المعركة بخروج جالوت للمبارزة، وكان من أشدهم قوة فهو عملاق ضخم مدجج بالسلاح، والمؤرخون يبالغون في حجمه، فطلب من يبارزه، فلم يتقدم أحد، فناداهم طالوت: قال من يخرج له؟ فلم يخرج أحد، فأراد أن يشجعهم ويحفزهم فقال من يخرج وأزوجه ابنتي ويكون شريكي في الملك، فتقدم شاب من أتباع طالوت، هو داوود عليه السلام وكان شاباً عمره ستة عشر عاماً كما في روايات كثيرة، كان داوود يقاتل بالمقلاع، والمقلاع: حبل له طرفان في آخرهما جلدة أو قطعة قماش قوية توضع فيها الأحجار، ثم يبدأ بالتلويح إلى أن يترك أحد طرفي الحبل فينطلق الحجر بقوة كبيرة.

خرج داوود لمبارزة جالوت، فقال له جالوت: ارجع يا غلام فإني لا أحب أن أقتلك، قال: بل أنا أحب أن أقتلك، فأراد جالوت أن يتقدم إليه فعاجله داوود عليه السلام بالمقلاع، وكان فيه ثلاثة أحجار كما جاء في الروايات، فجاءت الحجارة الثلاثة في ناصيته أي جبهته، والجبهة مكان تجمع الأعصاب، فقتله بضربة واحدة من أول المعركة، وسقط جالوت ودبّت الفوضى في جنده، فشد عليهم طالوت وجنوده: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة:251) وهذا هو قانون التدافع الذي بدونه لا تقم للدين قائمة، وهو فضل من الله على عباده المؤمنين: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58).

ووفّى طالوت بوعده لداوود، فزوجه ابنته وصار شريكه في الملك، وبالفعل صار داوود هو الملك بعد طالوت: وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ، وقيل أن بني إسرائيل أحبوا داوود أكثر من طالوت وفضلوه عليه، فكره طالوت ذلك وأراد قتل داوود عليه السلام، فنصحه العلماء ألاّ يفعل ذلك فقتلهم، لكنه استدرك واسترجع فتاب إلى الله، وأُخبر أن عليه التنازل عن العرش وأن يقاتل في سبيل الله حتى يُقتل لتكون له كفارة عن ذنبه، فخرج مع أولاده وقاتل في سبيل الله حتى قتلوا جميعاً، فهكذا كانت ولاية داوود عليه السلام على بني إسرائيل، وجمع الله على يديه مرة أخرى الملك والنبوة، حيث ما اجتمع الملك مع النبوة في رجل منذ يوشع بن نون عليه السلام، أي منذ أكثر من أربعمائة وستون سنة.

1() تسوسهم: تُشرّع لهم وتحكمهم.

2() ابن كثير.

3() ابن كثير.

4() ابن كثير.

5() ابن كثير.

6() رواه البخاري.

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء 

3 thoughts on “قصة شمويل عليه السلام

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s