الواقع الافتراضي” فرصة لرسم المستقبل ومحاكاة الماضي”

Virtual Reality

د. ناجي شكري الظاظا*

كيف يمكن للإنسان أن يرى عجائب الدنيا السبع؟ وكيف له أن يرى ما يحدث داخل خلية حيوانية؟ أو أن يتاح للطالب أن يتعرف على مخرجات التفاعلات الكيميائية دون أن يكون في المختبر أو يتعرض للخطر؟ أسئلة كثيرة كانت الإجابة عليها سابقاً تعتبر حلماً لكل الباحثين، سواء في مجال التاريخ أو العلوم، أما اليوم فقد قدمت التكنولوجيا حلولاً خلاقة لكل تلك المشاكل، وإجابات إبداعية لتلك التساؤلات.

أن تعرض الواقع في شكل افتراضي، وأن تستطيع أن تشعر بالبيئة الافتراضية وكأنك في البيئة الحقيقية، هذا يعني أننا نتحدث عن عالم وتقنيات “الواقع الافتراضي Virtual Reality”. معلوم أن الإنسان يتعرف على البيئة المحيطة به من خلال حواسه الخمس، والتي تتمثل في (النظر، والسمع، واللمس، والشم، والتذوق). وبحسب دراسة نشرت عام 1996م فإن المعلومات التي تمر للدماغ البشري “للبالغين” تتوزع على الحواس الخمس كالتالي: البصر 70%، والسمع 20%، واللمس 4%، والشم 5%، والتذوق 1%.

الواقع الافتراضي: نظام محوسب، يوفر للإنسان بيئة افتراضية، يمكنه الاستغراق فيها والتفاعل معها في الوقت الحقيقي

يظن بعض الناس أن التأثير على حواس الإنسان الخمس هو ضرب من الخيال، وأن ذلك مجرد حلم يتخيله العلماء وتروج له شركات الخيال العلمي، لكن الواقع يقول أن التكنولوجيا قد وصلت -بالفعل- لتكون قادرة على توفير أجهزة لكل حاسة، تمكن الإنسان من الشعور، فهو يرى ويسمع ويلمس ويشم ويتذوق افتراضياً (في البيئة الافتراضية التي يصنعها الحاسوب) وكأنه في الحقيقة (البيئة الحقيقية). صحيح أن المجسات المتخصصة لحاستي الشم والتذوق أقل موائمة للاستخدام العادي -كما في برامج الترفيه- فإن توفر 94% (70% نظر + 20 سمع + 4% لمس) يعتبر كاف لجعل الإنسان يشعر فعلياً، وكأنه يسير في حديقة غنّاء أو يطوف بين جنبات معلم أثري موغل في القدم؛ بينما هو متواجد في غرفة محاكاة تبعد عن كل ذلك مئات آلاف الأميال، لكنه قادر على الشعور بملمس الأزهار الناعمة، ولديه الحرية للتحرك بين أروقة ذاك المعلم الأثري، بل ويمكن له أن ينظر من شرفة قصر عمره ألف سنة قبل الميلاد!

وكون أن إنشاء الواقع الافتراضي هو في الحقيقة إنشاء لنظام محوسب تستخدم فيه تقنيات خاصة، يتم من خلالها تكوين بيئة ثلاثية الأبعاد قابلة للتفاعل مع المستخدم في الزمن الحقيقي، فإن توفر الأجهزة والبرامج (مكونات مادية ومكونات برمجية) يعتبر شرط نجاح ذلك الواقع المنشود إفتراضياً، ليحاكي البيئة الحقيقية (الفيزيائية). ومن كل ذلك يمكن تعريف الواقع الافتراضي على أنه “نظام محوسب، يوفر للإنسان بيئة افتراضية، يمكنه الاستغراق فيها والتفاعل معها في الوقت الحقيقي”.

إن أي نظام واقع افتراضي لابد أن يوفر للمستخدم (الإنسان) ثلاثة أشياء هي: حرية واستقلالية الاستخدام، والتفاعل الآني، والحضور الحسي. وكل ذلك بالتأكيد يتم بشكل نسبي، غير أن توفرها جميعاً بنسبة 100% هو أمر مستحيل، حيث أن عزل الإنسان 100% افتراضياً عن محيطه الحقيقي أمر غير وارد طالما أن عقل الإنسان غير مغيب، وأن ثمة أعضاء داخله تعمل لا إرادياً.

وهنا تظهر أهمية التقنيات في توفير تلك البيئة. صحيح أن تاريخ علم الواقع الافتراضي يُظهر أن أول جهاز HMD يوضع على الرأس، قد استخدم لمشاهدة الصور بشكل ثلاثي الأبعاد كان عام 1965م بواسطة “مورتن هيليغ، وبوزن يصعب على طفل حمله؛ لكنه اليوم أصبح نظارة زجاجية أنيقة مثل “نظارة جوجل” الذكية، التي تمكنك من الاتصال بالانترنت والإبحار في عالمك الافتراضي متى شئت! فالتكنولوجيا قفزت بشكل كبير جداً، والملاحظ أن إمكانيات وقدرات الأجهزة والبرامج تزداد، بينما أسعارها تنخفض. وبحسب قانون موريس الذي يفيد بأن تطور الحاسوب يتضاعف كل 18 شهراً، فإننا سنكون قادرين على تشغيل أنظمة واقع افتراضي في منازلنا عام 2030م، تمكّن أطفالنا من تشغيل برامج الترفيه والتسلية الافتراضية، وتمنحنا فرصة التعليم والتدريب الافتراضي، بل وتطبيق برامج المحاكاة لمختبر كيمياء المدرسة ونحن في غرفة النوم!

* أستاذ مساعد في تكنولوجيا المعلومات

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s