قصة يوشع بن نون عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

بعدما مات موسى وهارون عليهما السلام في التيه، بقي بنو إسرائيل في التيه بين سيناء وفلسطين أربعين سنة، إذ حرّم الله سبحانه وتعالى عليهم دخول بيت المقدس: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:26) تولى أمر بني إسرائيل " يوشع بن نون" عليه السلام، وهناك اتفاق بين العلماء على أنه كان نبياً من أنبياء بني إسرائيل.

هو يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وقد أشار إلى ذكره القرآن الكريم في معرض قصة موسى مع الخضر: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) (الكهف:60) فتاه هو يوشع بن نون، كان ملازماً لموسى عليه السلام يتلقى منه العلم والتوراة، وقد أدار يوشع عليه السلام شئون بني إسرائيل بعد وفاة موسى وهارون عليهما السلام بقية فترة التيه، وقد كان ملكاً ونبياً يدير أمور دينهم ودنياهم على السواء.

دخول بيت المقدس

ولما انتهت الأربعين سنة تحرك بهم نحو بيت المقدس لأنها مكتوبة لهم كما كان قال لهم موسى من قبل: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (المائدة:21) وقد كان العقاب بالتيه بسبب رفضهم دخول الأرضل المقدسة، فيفترض أنهم أخذوا الدرس وتعلموه خلال أربعين سنة من العقاب في التيه.

أكمل القراءة

قصة موسى عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

قصة موسى عليه السلام هي من أعظم القصص التى ذكرت في القرآن الكريم، وهى قصة منثورة في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثة وسبعين موضعاً، وموسى عليه السلام نبي رسول من أولى العزم من الرسل، ويسمى "كليم الله".

يقول الله سبحانه وتعالى: (طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (القصص:1-3) وهذه الآيات فيها موعظة وذكرى للمؤمنين وفيها إنذار ووعيد للفاسقين المنحرفين عن منهج الله سبحانه وتعالى، وقد استخلصه الله لنفسه واصطفاه من بين الخلق لكلامه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً) (مريم:51).

نسبه ووصفه

هو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ليس بينه وبين يعقوب مسافة طويلة وكان كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم فى حديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَأَيْتُ عِيسَى ومُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ"([1]).

فكان فى منتهى القوة حتى قيل أنه كان بقوة عشرة رجال، وكان من صفاته كذلك أنه عندما يتكلم يتلعثم أو يجد عقدة وحبسة في الكلام، وهذا ما قصده فرعون بقوله: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ) (الزخرف:52) لكن ما منعه ذلك من أن يكون نبياً رسولاً من أولي العزم من الرسل وفى الآية الأخرى: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) (القصص:34) استعان بقوة طلاقة لسان هارون، وسنرى هذا عندما نأتى لتفاصيل هذه القصة.

بني إسرائيل .. قبل موسى

بدأت قصة بني اسرائيل بعد هجرة يعقوب عليه السلام وبنيه من الشام الى مصر في زمن يوسف عليه السلام: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (يوسف:99) هاجر يعقوب وزوجه وأبناؤه إلى مصر حيث كان يوسف وزيرها الأول، بل كان حاكمها الفعلي، واستقروا فيها.

يقول المؤرخون أن بني إسرائيل دخلوا مصر وتعدادهم ستة وثمانون شخص ثم تناسلوا وتكاثروا، فلما خرج بهم موسى عليه السلام من مصر كانوا ستمائة ألف، وكان ملك([2]) مصر في زمن يوسف عليه السلام اسمه الريّان بن الوليد([3])، وكان يثق بيوسف عليه السلام ثقة عظيمة فكان مفوضاً الحكم له، وكان يكرمه إكراماً عظيماً، رغم أنه يعرف أن يوسف ليس على دينه، فهو يذكر ليوسف فضله فيوسف هو الذي أنقذ البلاد من مجاعة مهلكة، ولذلك كان لبني إسرائيل مكانة عظيمة فى مصر.

أكمل القراءة

قصة يونس عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

هو يونس بن متى، ولم يُذكر نسبه مفصلاً كما ذكر نسب الآخرين غير أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام، ويسمي كذلك "ذو النون"، والنون هو الحوت، ويسمي كذلك صاحب الحوت.

أرسله الله إلي قرية نينوى في شمال العراق، مقابل الموصل، يفصل بينهما نهر دجلة: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الصافات:139) وكانت أعدادهم كبيرة: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) (الصافات:147) فكانوا مائة وعشرين ألف (120,000) وقيل أكثر من ذلك كلهم على الكفر، فدعاهم يونس عليه السلام إلى الله كما دعا الأنبياء والمرسلون من قبل، ومكث في ذلك زمناً، لكنهم ما استجابوا.

ثم إنهم تجبروا وطغوا فهدّدوه بالأذى والتنكيل، فأنذرهم بعذاب الله، وأمهلهم ثلاثة أيام وترك القرية مغادراً غضباناً عليهم، لكن الله سبحانه وتعالى أمره أن ينذرهم ثلاثة أيام ولم يعطه الإذن بأن يخرج فـ"خرج مغاضباً من أجل ربه، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه"([1]): (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) (الأنبياء:من الآية87).

كثير من الناس يخطئ في فهم قوله تعالى: "فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ" فيعتقد أن المقصود أن يونس عليه السلام ظن عجز الله عنه، بل المقصود أنه ظن أن الله لن يضيّق عليه، وأنه عندما يخرج بدون إذن لن يعاقبه الله عز وجل لأنه نبي كريم، فهؤلاء قوم يستحقّون العقاب وعليهم غضب الله، وقد نزل عليهم الإنذار، وهذا المعنى يتضح من قول الله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) (الطلاق:7) يعني من ضيق عليه رزقه.

يقول سيد قطب: "أرسل إلى قرية فدعا أهلها إلى الله فاستعصوا عليه فضاق بهم صدراً وغادرهم مغاضباً ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم، ظانّاً أن الله لن يضيق عليه الأرض، فهي فسيحة والقرى كثيرة والأقوام متعددون، وما دام هؤلاء يستعصون على الدعوة فسيوجهه الله إلى قوم آخرين"([2]).

أكمل القراءة

قصة أصحاب الرّس

  فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

ومن الأقوام الذين ذكرهم الله عز وجل في القرآن الكريم: أصحاب الرسّ، وهم أقوام دُمرت وأبيدت لما كذبت الرسل: (وَعَاداً وَثَمُودَا وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ([1]) كَثِيراً * وَكُلّاً ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلّاً تَبَّرْنَا تَتْبِيراً) (الفرقان:38-39).

ويقول الله سبحانه وتعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) (قّ:12-14) وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام.

يقول ابن عباس رضي الله عنهما : "أصحاب الرس أهل قرية من قرى ثمود، والرس بئر رسوا فيها نبيهم -وأكثر المؤرخين على أن اسم ذلك النبي حنظلة بن صفوان- لما جاءهم ودعاهم إلى الاسلام فقتلوه ورموْا جثته في بئر في الرس فسُموا أصحاب الرس فدمرهم الله سبحانه وتعالى.


([1]) أي أقوام كثيرون بين عاد وأصحاب الرس.

 فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

قصة ذو الكِفل

 فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

أكثر القول أن ذا الكِفْل هو ابن أيوب عليه السلام، وأنه نبي من الأنبياء –كما يقول ابن كثير- وهذا الظاهر من ذكره في القرآن الكريم بالثناء عليه مقروناً مع السادة الأنبياء: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (الأنبياء:85-86) وقد جاءت هذه الآية بعد قصة أيوب عليه السلام.

وذكره الله تعالى بالثناء عليه بعد أيوب في موضع آخر: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ) (صّ:45-48).

واسمه: بشر ابن أيوب، وسُمي "ذو الكفل" لأنه تكفل لقومه أن يكفيهم أمرهم، ويقضي بينهم بالعدل، وتكفل لله أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفطر وألا يغضب، وعاش حياته ومات وهو موفّياً لهذه الأمور التي تكفل بها،ولم يُذكر لنا من قصته إلا هذا.

توضيح

أما الحديث([1]) المروي في سنن الترمذي عن رجل من بني إسرائيل اسمه "الكفل" الذي تاب إلى الله من بعد أن كان لا يتورع من ذنب أو معصية يقترفها، فيقول عنه ابن كثير: إن كان محفوظاً –أي الحديث- فليس هو ذا الكفل، وإنما لفظ الحديث: "الكفل" من غير إضافة، فهو رجل آخر غير المذكور في القرآن.


([1]) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكَثَرَ مِنْ ذَلِكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ أَرْعَدَتْ وَبَكَتْ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَأَكْرَهْتُكِ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَّا الْحَاجَةُ، فَقَالَ: تَفْعَلِينَ أَنْتِ هَذَا وَمَا فَعَلْتِهِ، اذْهَبِي فَهِيَ لَكِ، وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَعْصِي اللَّهَ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ".

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

قصة أيوب عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء 

هو أيوب ابن موص ابن رازح ابن العيص ابن اسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام، فهو من ذرية اسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، يقول الله سبحانه وتعالى عن ابراهيم عليه السلام: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ) (الأنعام:من الآية84) فجميع أنبياء بني إسرائيل من ذرية إسحاق عليه السلام، ما عدا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الوحيد من ذرية اسماعيل، ويعقوب عليه السلام يسمى (إسرائيل)، وعليه عندما يقال بني اسرائيل يراد بذلك ذرية يعقوب عليه السلام.

وأيوب عليه السلام كان نبياً مرسلاً: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً) (النساء:163) بعثه الله تعالى إلى قوم حُوران في الشام، وكان عليه السلام قد آتاه الله سبحانه وتعالى من أصناف الغنى والنعيم، العبيد والخدم، الأنعام والدواب، وأعطاه الأراضي والتجارة الرابحة ورزقه كثير الذرية فكان له سبع أولاد وسبع بنات، وكان صاحب صحة موفورة وقوة جسم عظيمة، ورجل بهذه الصفات يحرض الناس جميعاً على مصاحبته ومصادقته، وهذا ما كان بالفعل.

ابتلاء أيوب

ثم إن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبتليه ليكون اختباراً له، ويكون قدوة للناس من بعده في الصبر، فكان الابتلاء بأن: فني ماله حتى صار فقيراً، ومات أولاده الواحد تلو الآخر، أربعة عشر يموتون جميعاً في حياته، فسبحان الله إن الإنسان يموت له ولد فيتأثر ويحزن عليه حزناً شديداً، وقد رأينا كيف أن يعقوب عليه السلام كيف حزن على فراق يوسف حتى فقد بصره من الحزن، أما أيوب عليه السلام ففقد أربعة عشر من أولاده!! لكن الابتلاء هو سنة الله في أهل الدعوة، فيبتلى المرء على قدر دينه، وفي الحديث عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الأنبياء ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ"([1]).

أكمل القراءة

قصة أصحاب القرية: أصحاب يس وحبيب النجار

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء 

وهي قصة عظيمة ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة يس، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) ( يّـس:13-14) أكثر المؤرخين يُجمع على أن هذه القرية هي قرية (إنطاكية) في شمال الشام قرب تركيا، أرسل الله إلى قومها ثلاثة أنبياء في نفس الوقت، وذكر المؤرخون أن أسماء هؤلاء الأنبياء هي: (صادق وصدوق وشلوم).

وكان من شأنهم أن دعوا قومهم إلى توحيد الله وترك المنكرات التي هم عليها، وأنذروهم عذاب الله إن هم أصرّوا على كفرهم وكذّبوا الرسل، فكان الرد الشنيع كرد الأمم السابقة: (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) (يّـس:15) واستمر الرسل بدعوة الناس، ويعذرون إلى الله أنهم بلغّوا رسالة ربهم: (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (يّـس:16).

لكن القوم تمادوا في غيّهم وعدوانهم حتى: (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (يّـس:18) تشاءمنا بكم فلا نريد أن نراكم، أنت شؤم ونحس علينا.

فقال لهم الرسل: (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (يّـس:19) لقد تعديتم الحد الذي دمّر الله به الأقوام من قبلكم، وهددوهم بالرجم وبالعذاب الأليم.

حبيب النجار

هنا جاء رجل و أكثر المؤرخين على أنه حبيب النجار، شعر بأن الخطر قد وصل إلى قومه، وأنهم وصلوا إلى نفس المستوى الذي وصلت إليه الأمم السابقة، وصلوا إلى تهديد الرسل بالرجم والعذاب والضرب، فخاف على قومه من العذاب: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (يّـس:20-21) يركض من حرصه على قومه، وقد كان يعمل في أطراف المدينة أو خارجها، وقال هؤلاء الناس لا يأمرونكم بشر بل يهدونكم إلى أخلاق سامية وعظيمة، فهذه الأصنام لا تستطيع أن تنقذني إذا أرادني الله بسوء: (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) (يّـس:22-25) فقال له قومه: أنت إذاً معهم، فأخذوه وطرحوه أرضاً وداسوه بأقدامهم، يروي ابن عباس "أنهم داسوا عليه حتى أخرجوا قصبة حلقه، فقتلوه.

فكان جزاؤه دخول الجنة من فوره: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) (يّـس:26) فالسياق القرآني في الأمر الواضح يأتي مختصراً فلم يقل: "فأخذوه فقتلوه فقيل ادخل الجنة"، بل هو الآن يتمتع في الجنة، يطير في الجنة مع الشهداء، والشهداء في حواصل طير خضر يسرحون في الجنة كيفما شاءوا.

فلما رأى هذا النعيم في الجنة قال وهو في الجنة (… قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يّـس:26-27) ذنوبي كلها ذهبت بالشهادة، وما أعظم الشهادة، نسأل الله أن يرزقنا إياها.

فلما وصل الأمر إلى هذا الحد، أن الذي يؤمن يعذب ويقتل فقط لأنه قال كلمة الحق، جاء التدخل الإلهي: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) (يّـس:28) ما أنزلنا جنود من السماء ولا أنزلنا قوات مسلحة وما كان الأمر يحتاج إلى ذلك: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) (يّـس:29) فقط نزل جبريل عليه السلام فصرخ صرخة واحدة فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) (يّـس:30-32).

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء