قصة يونس عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

هو يونس بن متى، ولم يُذكر نسبه مفصلاً كما ذكر نسب الآخرين غير أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام، ويسمي كذلك "ذو النون"، والنون هو الحوت، ويسمي كذلك صاحب الحوت.

أرسله الله إلي قرية نينوى في شمال العراق، مقابل الموصل، يفصل بينهما نهر دجلة: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الصافات:139) وكانت أعدادهم كبيرة: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) (الصافات:147) فكانوا مائة وعشرين ألف (120,000) وقيل أكثر من ذلك كلهم على الكفر، فدعاهم يونس عليه السلام إلى الله كما دعا الأنبياء والمرسلون من قبل، ومكث في ذلك زمناً، لكنهم ما استجابوا.

ثم إنهم تجبروا وطغوا فهدّدوه بالأذى والتنكيل، فأنذرهم بعذاب الله، وأمهلهم ثلاثة أيام وترك القرية مغادراً غضباناً عليهم، لكن الله سبحانه وتعالى أمره أن ينذرهم ثلاثة أيام ولم يعطه الإذن بأن يخرج فـ"خرج مغاضباً من أجل ربه، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه"([1]): (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) (الأنبياء:من الآية87).

كثير من الناس يخطئ في فهم قوله تعالى: "فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ" فيعتقد أن المقصود أن يونس عليه السلام ظن عجز الله عنه، بل المقصود أنه ظن أن الله لن يضيّق عليه، وأنه عندما يخرج بدون إذن لن يعاقبه الله عز وجل لأنه نبي كريم، فهؤلاء قوم يستحقّون العقاب وعليهم غضب الله، وقد نزل عليهم الإنذار، وهذا المعنى يتضح من قول الله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) (الطلاق:7) يعني من ضيق عليه رزقه.

يقول سيد قطب: "أرسل إلى قرية فدعا أهلها إلى الله فاستعصوا عليه فضاق بهم صدراً وغادرهم مغاضباً ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم، ظانّاً أن الله لن يضيق عليه الأرض، فهي فسيحة والقرى كثيرة والأقوام متعددون، وما دام هؤلاء يستعصون على الدعوة فسيوجهه الله إلى قوم آخرين"([2]).

أكمل القراءة

قصة أصحاب الرّس

  فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

ومن الأقوام الذين ذكرهم الله عز وجل في القرآن الكريم: أصحاب الرسّ، وهم أقوام دُمرت وأبيدت لما كذبت الرسل: (وَعَاداً وَثَمُودَا وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ([1]) كَثِيراً * وَكُلّاً ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلّاً تَبَّرْنَا تَتْبِيراً) (الفرقان:38-39).

ويقول الله سبحانه وتعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) (قّ:12-14) وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام.

يقول ابن عباس رضي الله عنهما : "أصحاب الرس أهل قرية من قرى ثمود، والرس بئر رسوا فيها نبيهم -وأكثر المؤرخين على أن اسم ذلك النبي حنظلة بن صفوان- لما جاءهم ودعاهم إلى الاسلام فقتلوه ورموْا جثته في بئر في الرس فسُموا أصحاب الرس فدمرهم الله سبحانه وتعالى.


([1]) أي أقوام كثيرون بين عاد وأصحاب الرس.

 فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

قصة ذو الكِفل

 فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

أكثر القول أن ذا الكِفْل هو ابن أيوب عليه السلام، وأنه نبي من الأنبياء –كما يقول ابن كثير- وهذا الظاهر من ذكره في القرآن الكريم بالثناء عليه مقروناً مع السادة الأنبياء: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (الأنبياء:85-86) وقد جاءت هذه الآية بعد قصة أيوب عليه السلام.

وذكره الله تعالى بالثناء عليه بعد أيوب في موضع آخر: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ) (صّ:45-48).

واسمه: بشر ابن أيوب، وسُمي "ذو الكفل" لأنه تكفل لقومه أن يكفيهم أمرهم، ويقضي بينهم بالعدل، وتكفل لله أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفطر وألا يغضب، وعاش حياته ومات وهو موفّياً لهذه الأمور التي تكفل بها،ولم يُذكر لنا من قصته إلا هذا.

توضيح

أما الحديث([1]) المروي في سنن الترمذي عن رجل من بني إسرائيل اسمه "الكفل" الذي تاب إلى الله من بعد أن كان لا يتورع من ذنب أو معصية يقترفها، فيقول عنه ابن كثير: إن كان محفوظاً –أي الحديث- فليس هو ذا الكفل، وإنما لفظ الحديث: "الكفل" من غير إضافة، فهو رجل آخر غير المذكور في القرآن.


([1]) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكَثَرَ مِنْ ذَلِكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ أَرْعَدَتْ وَبَكَتْ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَأَكْرَهْتُكِ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَّا الْحَاجَةُ، فَقَالَ: تَفْعَلِينَ أَنْتِ هَذَا وَمَا فَعَلْتِهِ، اذْهَبِي فَهِيَ لَكِ، وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَعْصِي اللَّهَ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ".

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

قصة أيوب عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء 

هو أيوب ابن موص ابن رازح ابن العيص ابن اسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام، فهو من ذرية اسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، يقول الله سبحانه وتعالى عن ابراهيم عليه السلام: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ) (الأنعام:من الآية84) فجميع أنبياء بني إسرائيل من ذرية إسحاق عليه السلام، ما عدا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الوحيد من ذرية اسماعيل، ويعقوب عليه السلام يسمى (إسرائيل)، وعليه عندما يقال بني اسرائيل يراد بذلك ذرية يعقوب عليه السلام.

وأيوب عليه السلام كان نبياً مرسلاً: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً) (النساء:163) بعثه الله تعالى إلى قوم حُوران في الشام، وكان عليه السلام قد آتاه الله سبحانه وتعالى من أصناف الغنى والنعيم، العبيد والخدم، الأنعام والدواب، وأعطاه الأراضي والتجارة الرابحة ورزقه كثير الذرية فكان له سبع أولاد وسبع بنات، وكان صاحب صحة موفورة وقوة جسم عظيمة، ورجل بهذه الصفات يحرض الناس جميعاً على مصاحبته ومصادقته، وهذا ما كان بالفعل.

ابتلاء أيوب

ثم إن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبتليه ليكون اختباراً له، ويكون قدوة للناس من بعده في الصبر، فكان الابتلاء بأن: فني ماله حتى صار فقيراً، ومات أولاده الواحد تلو الآخر، أربعة عشر يموتون جميعاً في حياته، فسبحان الله إن الإنسان يموت له ولد فيتأثر ويحزن عليه حزناً شديداً، وقد رأينا كيف أن يعقوب عليه السلام كيف حزن على فراق يوسف حتى فقد بصره من الحزن، أما أيوب عليه السلام ففقد أربعة عشر من أولاده!! لكن الابتلاء هو سنة الله في أهل الدعوة، فيبتلى المرء على قدر دينه، وفي الحديث عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الأنبياء ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ"([1]).

أكمل القراءة

قصة أصحاب القرية: أصحاب يس وحبيب النجار

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء 

وهي قصة عظيمة ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة يس، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) ( يّـس:13-14) أكثر المؤرخين يُجمع على أن هذه القرية هي قرية (إنطاكية) في شمال الشام قرب تركيا، أرسل الله إلى قومها ثلاثة أنبياء في نفس الوقت، وذكر المؤرخون أن أسماء هؤلاء الأنبياء هي: (صادق وصدوق وشلوم).

وكان من شأنهم أن دعوا قومهم إلى توحيد الله وترك المنكرات التي هم عليها، وأنذروهم عذاب الله إن هم أصرّوا على كفرهم وكذّبوا الرسل، فكان الرد الشنيع كرد الأمم السابقة: (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) (يّـس:15) واستمر الرسل بدعوة الناس، ويعذرون إلى الله أنهم بلغّوا رسالة ربهم: (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (يّـس:16).

لكن القوم تمادوا في غيّهم وعدوانهم حتى: (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (يّـس:18) تشاءمنا بكم فلا نريد أن نراكم، أنت شؤم ونحس علينا.

فقال لهم الرسل: (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (يّـس:19) لقد تعديتم الحد الذي دمّر الله به الأقوام من قبلكم، وهددوهم بالرجم وبالعذاب الأليم.

حبيب النجار

هنا جاء رجل و أكثر المؤرخين على أنه حبيب النجار، شعر بأن الخطر قد وصل إلى قومه، وأنهم وصلوا إلى نفس المستوى الذي وصلت إليه الأمم السابقة، وصلوا إلى تهديد الرسل بالرجم والعذاب والضرب، فخاف على قومه من العذاب: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (يّـس:20-21) يركض من حرصه على قومه، وقد كان يعمل في أطراف المدينة أو خارجها، وقال هؤلاء الناس لا يأمرونكم بشر بل يهدونكم إلى أخلاق سامية وعظيمة، فهذه الأصنام لا تستطيع أن تنقذني إذا أرادني الله بسوء: (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) (يّـس:22-25) فقال له قومه: أنت إذاً معهم، فأخذوه وطرحوه أرضاً وداسوه بأقدامهم، يروي ابن عباس "أنهم داسوا عليه حتى أخرجوا قصبة حلقه، فقتلوه.

فكان جزاؤه دخول الجنة من فوره: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) (يّـس:26) فالسياق القرآني في الأمر الواضح يأتي مختصراً فلم يقل: "فأخذوه فقتلوه فقيل ادخل الجنة"، بل هو الآن يتمتع في الجنة، يطير في الجنة مع الشهداء، والشهداء في حواصل طير خضر يسرحون في الجنة كيفما شاءوا.

فلما رأى هذا النعيم في الجنة قال وهو في الجنة (… قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يّـس:26-27) ذنوبي كلها ذهبت بالشهادة، وما أعظم الشهادة، نسأل الله أن يرزقنا إياها.

فلما وصل الأمر إلى هذا الحد، أن الذي يؤمن يعذب ويقتل فقط لأنه قال كلمة الحق، جاء التدخل الإلهي: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) (يّـس:28) ما أنزلنا جنود من السماء ولا أنزلنا قوات مسلحة وما كان الأمر يحتاج إلى ذلك: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) (يّـس:29) فقط نزل جبريل عليه السلام فصرخ صرخة واحدة فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) (يّـس:30-32).

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء 

قصة شعيب عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء 

شعيب نبي عربي ينتسب إلى مدين ابن مديان ابن إبراهيم عليه السلام فهو من ذرية إبراهيم عليه السلام، في حديث سابق في قصة هود وصالح عليهما السلام: "وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر"([1])، وعن ابن عباس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيباً قال:"ذاك خطيب الأنبياء")([2])، وذلك لفصاحته وعلو عبارته، وبلاغته في دعوة قومه إلى الإيمان بالله.

خرج في مدينة تسمى مدين والقبيلة التي تسكنها تسمى مدين وكانت قرب مدينة معان (المدينة المشهورة في الأردن) قرب بحيرة لوط، هذه البحيرة أصلها أن الله سبحانه وتعالى عندما أمر جبريل فرفع قوم لوط فجعل عاليها سافلها ودمرهم، جعل مكانهم بحيرة مشهورة ومعروفة اليوم ببحيرة لوط قرب البحر الميت، وكان قومه كفرة فجرة يعبدون الأصنام ويقطعون الطريق، كانوا يقفون في طرق التجارة يأخذون الجمارك والأتاوات ظلماً من الناس، لا يمر أحد عليهم إلا ويأخذون منه عُشر أمواله بالإجبار (كما روى السدّي وابن عباس) ويقول ابن كثير عنهم: "كان أهل مدين كفاراً يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة، وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها، وكانوا من أسوأ الناس معاملة، يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيها، يأخذون بالزائد، ويدفعون بالناقص".

الأنبياء عليهم السلام بالإضافة إلى مهمتهم الدعوية في إرجاع الناس إلى العقيدة السليمة والعبادة الصحيحة لله رب العالمين، كانت لهم أيضاً مهام اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، نرى مثلاً موسى عليه السلام كان يواجه طغيان فرعون وظلمه لبني إسرائيل، وشعيب عليه السلام كان يواجه قضية اقتصادية وهي انتشار الغش في الأسواق بين التجار، ولوط عليه السلام كان يواجه قضية اجتماعية، فكل نبي من الأنبياء عليهم السلام كان يواجه قضية، الدين ليس فقط عبادة أو عقيدة وإنما معايشة للواقع هذا هو منهج الأنبياء، إذا كان انحراف بين القوم كانوا يواجهون قضية العبادة والعقيدة، ويواجهون ذلك الانحراف أياً كان نوعه، فكان الانحراف السائد في مدين انحراف التجار وكثرة الغش، وكانوا يعبدون كذلك شجرة تسمى الأيكة ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: (وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ) (الحجر:78) وقال تعالى: (كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء:176) هم كذّبوا شعيب! لماذا قال كذّبوا المرسلين؟ ما قال كذّبوا الرسول؟ ذلك أن التكذيب برسول واحد هو تكذيب بكل الأنبياء، لأن دعوة الأنبياء واحدة، فكلهم جاءوا بدعوة واحدة: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) (نوح:3) هذه دعوة الأنبياء (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (هود:من الآية84).

أكمل القراءة

قصة لوط عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء 

لوط ابن هاران بن تارخ، تارخ هو (آزر) أبو إبراهيم، إبراهيم وهاران وناحور أبناء تارخ، فيكون ابن أخ إبراهيم عليه السلام، ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن سبعاً وعشرين (27) مرة في أربع عشرة سورة، وكان أبوه قد مات وهو صغير فتربى في بيت تارخ مع عمه إبراهيم، فأحب عمه حباً شديداً.

ولما كانت معجزة النار التي أُلقي فيها إبراهيم عليه السلام فكانت عليه برداً وسلاماً، وقد شاهد الناس هذا المشهد ولم يؤمنوا؛ آمن لوط عليه السلام، ولمّا هاجر إبراهيم عليه السلام هاجر معه لوط: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (العنكبوت:6) وكنا قد ذكرنا كيف أنه أمره إبراهيم عليه السلام لَمّا رجع من مصر إلى فلسطين أن يذهب إلى المؤتفكة (سَدُوم)، وسدوم قرية عند البحر الميت والذي كان يسمى (بحيرة لوط)، وكانت مركزاً تجارياً ومحطة سفر، كان الناس المسافرون يقفون عندها، وكانوا قوماً كفرة ليس فيهم مؤمن، يقول الله سبحانه وتعالى على لسان الملائكة الذين حطّموا ودمّروا قرية سدوم: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) (الذاريات:35-36) فقط بيت لوط كان مؤمن والباقي كلهم كفرة فجرة، من أشد الناس فسقاً وفجوراً، حتى أنهم تفننوا في الفجور وابتدعوا فجوراً لم يفعله أحد قبلهم من العالمين: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (الأعراف:80-81) فكانوا أول من ابتدع فاحشة اللواط، فكان فيهم الشذوذ الجنسي([1]).

أكمل القراءة