قصة يوشع بن نون عليه السلام

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

بعدما مات موسى وهارون عليهما السلام في التيه، بقي بنو إسرائيل في التيه بين سيناء وفلسطين أربعين سنة، إذ حرّم الله سبحانه وتعالى عليهم دخول بيت المقدس: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:26) تولى أمر بني إسرائيل " يوشع بن نون" عليه السلام، وهناك اتفاق بين العلماء على أنه كان نبياً من أنبياء بني إسرائيل.

هو يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وقد أشار إلى ذكره القرآن الكريم في معرض قصة موسى مع الخضر: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) (الكهف:60) فتاه هو يوشع بن نون، كان ملازماً لموسى عليه السلام يتلقى منه العلم والتوراة، وقد أدار يوشع عليه السلام شئون بني إسرائيل بعد وفاة موسى وهارون عليهما السلام بقية فترة التيه، وقد كان ملكاً ونبياً يدير أمور دينهم ودنياهم على السواء.

دخول بيت المقدس

ولما انتهت الأربعين سنة تحرك بهم نحو بيت المقدس لأنها مكتوبة لهم كما كان قال لهم موسى من قبل: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (المائدة:21) وقد كان العقاب بالتيه بسبب رفضهم دخول الأرضل المقدسة، فيفترض أنهم أخذوا الدرس وتعلموه خلال أربعين سنة من العقاب في التيه.

خلال التيه فني وباد الجيل الذي عبد العجل، ونشأ جيل جديد من بني إسرائيل، فتحرك بهم يوشع بن نون نحو القدس، وحاصرها ستة أشهر وكان فيها أيضاً قوماً جبارين، وكان بني إسرائيل لا يشتغلون ولا يقاتلون يوم السبت، فقد كان يوم عطلة رسمية في دينهم، فلمّا بدأت المعركة بين الطرفين لاح الانتصار لصالح بني إسرائيل في عصر يوم الجمعة، وكان يخشى يوشع أن يدخل عليهم السبت، فإذا دخل عليهم يوم السبت لزم أن يتوقفوا عن القتال، لأن الغروب هو بداية اليوم الثاني كما هو عندنا في الإسلام، وبالتالي الانتصار الذي يلوح بالأفق يكون قد تلاشى، فأخذ يشتد مع قومه وبدأ الفتح، ولكن الشمس قد اقتربت اقتراباً شديداً من الغروب وما بقي إلا لحظات وتغرب الشمس، لكن النصر يحتاج إلى وقت أطول، فنظر يوشع عليه السلام إلى الشمس وقال: "إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ " كلانا من مخلوقات الله عز وجل فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ"([1]) توقفت الشمس مكانها إلى أن فتحت بيت المقدس، ودخلها فاتحاً منتصراً، وبعدها تحركت وغربت، وهذا من قدرة الله عز وجل ومن إعجازه ليراه الجيل الجديد من بني إسرائيل.

وفي حديث البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الأنبياء فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ([2]) وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا، فَغَزَا فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ -يَعْنِي النَّارَ- لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْهَا، فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا([3]) فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمْ الْغُلُولُ فَلْيُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ (وكانت تلك علامة يعرف بها المخطئ وصاحب الغلول)، فَقَالَ: فِيكُمْ الْغُلُولُ، فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا فَجَاءَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا" ولم تكن الغنائم تحل لأمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

وقولوا حِطّة .. فقالوا حِنْطة

بعد هذا النصر والظفر المبين، كان لا بد على بني إسرائيل أن يشكروا الله على نصره لهم فأمرهم نبيهم يوشع بن نون عليه السلام أن يدخلوا بيت المقدس سجداً يظهرون التذلل لله الذي نصرهم وأعز ملكهم، وكانوا يسمّون الركوع سجود، يدخل الواحد منهم راكعاً لله عز وجل وهو يدعو: اللهم أحط عنا خطايانا والذنوب التي أذنبناها في السنين الماضية: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:58) هؤلاء الفجرة الذين ما رأوا المعجزات التي كانت لموسى عليه السلام وما فُعِل بفرعون، وما رسخ الإيمان في قلوبهم، بدأوا يستهزؤوا بيوشع عليه السلام، فبدل أن يدخلوا ساجدين دخلوا زحفاً على مؤخراتهم: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (البقرة:59) عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: "ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ" فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ([4]) وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ"([5]) والحطة تشبه الحنطة، وفي لغتهم أيضاً قريبة من ذلك، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ "ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا" قَالَ: دَخَلُوا زَحْفًا "وَقُولُوا حِطَّةٌ" قَالَ: بَدَّلُوا فَقَالُوا حِنْطَةٌ فِي شَعَرَةٍ"([6]).

وفي التعليق على هذه القصة يقول ابن كثير: "ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم فتحها، دخلها وهو راكب ناقته، وهو متواضع حامد شاكر، حتى إن عُثنونه – طرف لحيته – ليمس مورك رحله؛ مما يطاطئ رأسه خضعاناً لله عز وجل ومعه الجنود والجيوش ممن لا يرى منه إلا الحدق، ولا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لما دخلها اغتسل وصلى ثماني ركعات وهي صلاة الشكر على النصر، على المشهور من قول العلماء، وقيل إنها صلاة الضحى، وما حمل هذا القائل على قوله هذا إلا لأنها وقعت وقت الضحى.. وأما بنوا إسرائيل فإنهم خالفوا ما أمروا به قولاً وفعلاً؛ فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حبة في شعرة، وفي رواية: حنطة في شعرة"([7]).

بعد هذا الفجور وهذا الفسق استحقوا العقاب، فكان رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ، نزل فيهم مرض الطاعون فقتل منهم خلقاً كثيراً، وفي خاتمة قصة يوشع بن نون؛ يقول ابن كثير: "ولما استقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه، وبين أظهرهم نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب التوراة حتى قبضه الله إليه، وهو ابن مائة وسبع وعشرين (127) سنة، فكانت مدة حياته بعد موسى سبعاً وعشرين (27)سنة"([8])، وعاش بنو إسرائيل من بعده في فلسطين يحكمهم الملوك، ويدير الأنبياء شئون دينهم دون دنياهم، فانفصل الدين عن الملك، حيث كان المُلك في ذرية يهودا بن يعقوب عليه السلام؛ وكانت النبوة في ذرية لاو بن يعقوب عليه السلام.


([1]) رواه الإمام أحمد في مسنده.

([2]) الخلفة: الناقة الحامل إلى نصف أجل الحمل.

([3]) الغلول: ما يؤخذ من الغنيمة خفية قبل قسمتها.

([4]) حُط: أسقط والمراد اغفر لنا ذنوبنا، أستاههم: أدبارهم.

([5]) رواه البخاري.

([6]) مسند الإمام أحمد.

([7]) ابن كثير.

([8]) المصدر السابق.

فهرس كتاب ألف باء في قصص الأنبياء

One thought on “قصة يوشع بن نون عليه السلام

Leave a Reply أترك ملاحظتك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s